صحيفة الكترونية اردنية شاملة

أي «عرب» عني؟

0

كان ابن خلدون قاسًيا في رأيه في «العرب»: «إنهم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب»٬ و«هم يستنكفون عن طلب العلم وانتحاله». ويقول الدكتور علي الوردي إن هذا الذم دفع بعض الباحثين إلى القول إن السبب هو «شعوبية» أشهر علماء الاجتماع العرب٬ وربما العالم. وقال آخرون إنه كان يقصد بالعرب البدو. وأردف بعض آخر أنه لم يكن يعني البدو بشكل عام٬ بل الأكثر بداوة٬ خصوًصا أنه تحدث عنها عند كثير من الشعوب الأخرى.

لم يتوقف الانبهار بابن خلدون في الغرب. قبل أسابيع صدر «أشجار البرتقال في مراكش: ابن خلدون وعلم الإنسان»٬ للمؤرخ البروفسور ستيفن فريدريك ديل (جامعة أوهايو)٬ وفيه يركز على نسب ابن خلدون إلى «مقدمته» نفسها٬ إذ لا يكف عن التفاخر بأنه من جذور يمنية٬ وبالذات حضرمية٬ هاجر أجداده مع جيوش الفتح الأندلسي.

لكن بالنسبة إلى علي الوردي (منطق ابن خلدون) فإن الرجل كان غامًضا في كل شيء٬ بسبب عمله الدبلوماسي ورغبته في ألاّ يثير حفيظة أحد. وفي اعتقادي المتواضع أن هذه أخلاق العلماء٬ لا الدبلوماسيين. فالعالِم لا يبّت في الأشياء حتى لو أمضى العمر بحًثا فيها. ومثل غيره استند ابن خلدون إلى أبحاث من سبقه٬ كما استند كبار علماء الغرب فيما بعد إلى أبحاثه.

«العرب» الذين انتقدهم ابن خلدون لم يكونوا «العرب» ولا «البدو» ولا الضاربين في البداوة٬ وإنما كانوا معاصريه. فعواطفه كلها مع العرب الأوائل الذين نشروا الإسلام على حقيقته. ولا يخفي مشاعره حيال الدولة العباسية وازدهارها السياسي والعلمي. ويحصر «العرب» تقريًبا في بني هلال٬ وأولئك الذين عاثوا خراًبا في بلاد المغرب٬ بما فيها تونس٬ مسقط رأسه.

كثير من فكر ابن خلدون يظل قابلاً للنقاش٬ كما يقول علي الوردي. وحتى هو يترك «المقدمة» دون تأييد أو نكران. وبينما رد كثيرون أهمية «المقدمة» العلمية إلى عبقرية ابن خلدون الفائقة٬ رأى الدكتور طه حسين أنه لو جاء قبل عصره لما توافرت له المعلومات والموسوعات التي استند إليها. فالعبقرية وحدها لا تكفي في الأطروحات العلمية. غير أن العالم الألماني ناثانيال شميت يقول إن ابن خلدون اعتمد على أسفاره وتجربته الكبرى وليس على البحث الموسوعي. وما زالت الدراسات قائمة٬ لكن ليس عندنا بالطبعكان ابن خلدون قاسًيا في رأيه في «العرب»: «إنهم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب»٬ و«هم يستنكفون عن طلب العلم وانتحاله»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.