صحيفة الكترونية اردنية شاملة

دونالد وجاستن

0

قضية دونالد ترامب ليست مسألة منتهية. لا اليوم ولا غدًا. وثمة سؤال طرحته «النيويورك تايمز»، أيهما أفظع، الكلام أم الفعل؟ ولو طُرح علي لأجبتُ فورًا، الكلام. الخطاب. التحريض. العقل المريض. الرجال الذين لا يملكون سوى الألفاظ. الذين لا يبرعون إلا في التكرار. الناقلون الذين لم يأتوا بفكرة واحدة. مدارس العقم الفكري التي ينضم إليها «الترامبيون» لسهولتها ومتعة صداها الفارغ.
لكن لم يكن مهمًا فقط الإصغاء إلى خطاب ترامب، بل أيضًا تأمل أنواع الحضور الذين يصفقون له. ترامب قضية أميركية أولاً، لا إسلامية. رجل بلا عقل يخرّب عقول الناس. يجرّب السفاهة، وعندما تنجح يتمادى فيها، غير سائل عما تحدثه في نفوس الأميركيين. الاعتراض الأكبر على ترامب لم يأتِ من الخارج، بل من الولايات المتحدة. من الذين يخشون على أن تتحول الظاهرة التهريجية إلى ظاهرة خطرة. «داعش» في مقابل أخرى. جهل في مقابل آخر. ونجهل فوق جهل الجاهلينا.
المسألة الأخطر هي الخطاب. ذلك الخطاب الذي يجعل شابًا لبنانيًا يفجر والده وأمه قبل أن يذهب لتفجير أناس لا يعرفهم، لا يعرف من الأب فيهم ومن الأم ومن اليتيم ومن المقهور. دونالد ترامب أيقظ العالم مرة أخرى على أن في إمكان رجل مسعور الفكر أن يجر الناس خلفه كالماعز. تظهر فضيحة ترامب فيما يقود في كندا المجاورة جاستن ترودو تجربة إنسانية مبهرة. يشكل ابن الثالثة والأربعين حكومة نصفها نساء، ويعطي وزارة الدفاع الوطني لمهاجر من السيخ، ويسلم شؤون المؤسسات الديمقراطية إلى مَن؟ إلى مريم منصف، المهاجرة من بلاد طالبان. ويعطي وزارة الخارجية إلى أستاذ جامعي.
ها هي أميركا الشمالية تقدم للعالم النموذجين الذي عليه الاختيار بينهما: دونالد ترامب وجاستن ترودو. برميل العنف وحقل السعة والتعدد والتنوع والتلاقي الإنساني في وطن واحد، يتسع للجميع. والخيار ليس سهلاً كما يبدو. العالم مليء بالعقول المريضة والجماهير التي تقتات الألفاظ وتطرب للغة القتل والاضطهاد والإلغاء. كتب الدكتور زياد محيو في مجلة «الأفكار» أن ابنته أفضل منه. لقد ولدت في كندا. وفوجئ بالطفلة ذات يوم تتحدث عن التعدد والتنوع وجمال التناسق البشري. أما هو فمن مواليد لبنان، بلد الاختلاف حتى على طمر النفايات.
* نقلا عن “الشرق الأوسط”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.