ورَقَتا موسكو وأنقرة: الإرهاب واللاجئون
يأخذ الاشتباك الروسي ـ التركي على خلفية إسقاط طائرة «سوخوي» أشكالاً مختلفة. بعض هذه الأشكال إعلاميٌ واستعراضي، يتّصل بسعي كل من الرئيسين الروسي والتركي إلى حماية صورتيهما اللتين ارتسمتا في المخيّلة الجمعية لأنصارهما، كـ «زعيمين» وصلا إلى السلطة وتمكّنا فيها مطلع الألفية (بوتين كرئيس للجمهورية العام 2000، وأردوغان كرئيس للحكومة العام 2003)، علماً أن الرجلين أنهيا حقبة من التخبّط السياسي والاقتصادي شهدتها تسعينيات القرن الماضي في كلا البلدين (عهد الرئيس الضعيف بوريس يلتسين في روسيا الذي تلا انهيار الاتحاد السوفياتي، وعهود التأزم الاقتصادي والتوتر بين الإسلاميين والجيش وفشل محاولات الدخول إلى الاتحاد الأوروبي في تركيا). لكن الأهم من «الصورة» و «الهيبة» اللتين يريد الزعيمان تأكيدهما لشدّ عصب الأنصار وتعزيز رصيدَيهما على مستوى الداخل، يتعلق باستراتيجية الدولتين حيال إقليم شرق أوسطيٍ «متنازَعٍ عليه»، تُشكل سوريا بوابته الرئيسية، استيراداً للأزمات وتصديراً لها إلى سائر أرجاء العالم، تحديداً الغرب الأوروبي منه.
في هذا الإطار، أخذ كل من اللاعبَيْن على الساحة السورية، الروسي والتركي، يستثمر منذ شهريْن تقريباً في الهواجس الأوروبية المتعاظمة من نمو ظاهرَتين مُتقاطعتين ناتجتين عن الحرب في سوريا، ولكل منهما انعكاسٌ عميق الأثر على الأمن السياسي والاجتماعي في أوروبا: الإرهاب واللاجئون.
في الأصل، لم يبادر الرئيس الروسي إلى فتح معركته العسكرية في سوريا تحسّباً لتدخّل تركي في شمال البلاد فقط، بل تعويلاً منه على نمو حاجة أوروبية للّحاق بركب مواجهة ظاهرة العنف «الجهادي» المسلح العابر للحدود، بما يتجاوز الغارات المحدودة الأثر التي تقودها واشنطن ضد «داعش». وقد برز هذا التعويل الروسي في كلام بوتين المتواتر خلال الأسابيع السابقة للعملية العسكرية والمرافِقة لبدايتها، والذي وضع فيه خطوَتَه في سياق «الحملة الاستباقية لضرب الإرهاب، قبل أن يأتي إلينا».
وقد اكتسب الجانب الروسي زخماً حين جاءت أحداث باريس الأخيرة لتصبّ في مصلحة «توقعات» بوتين أو دعايته ـ لا فرق. في موازاة ذلك، راح نظير بوتين، الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، يتذبذب بين اعتبارات ثلاثة: أوّلها يتعلق بحاجة فرنسا إلى الإقرار بهشاشة أمنها الداخلي والانخراط جدّياً في حرب باتت جزءاً منها، شاءت ذلك أم أبت، وهذا ما يفيد موسكو ويقوّي منطقها المذكور. وثانيها يرتبط بالموقف الأميركي المتصلّب بشأن التعاون مع روسيا، والذي جعل هولاند يتراجع عن حماسته للتعاون مع موسكو في الحرب على الإرهاب إثر زيارته الأخيرة إلى واشنطن. فيما ثالث الاعتبارات يتّصل بالعوائد الاقتصادية المباشرة لبلاده من صفقاتها التجارية مع بعض دول الخليج، والتي تمثل آخرها بعقود مع السعودية في منتصف تشرين الأول الماضي بقيمة نحو 11,5 مليار دولار، وهذا ما يدفع باريس، نظرياً، إلى الابتعاد عن موسكو.
وبرغم هذا التأرجح، فإن الموقف الفرنسي يبرز يوماً إثر آخر كمُعبّر عن أكثر المستعدّين في الغرب للتعاون مع روسيا، درءاً لخطرٍ لم يعُد على أبواب أوروبا بل بات داخلها (وقد تحدّث عن هذا الموقف ديبلوماسي فرنسي رفيع لصحيفة «لو موند» بُعَيد زيارة هولاند إلى موسكو التي تلت زيارة واشنطن)، علماً أن المسار الأوروبي عامة بدأ ينحو في هذا الاتجاه، وهو ما يفسّر موافقة الحكومة الألمانية أمس على المشاركة في عمليات عسكرية ضد «داعش» وإحالة القرار إلى البرلمان للتصويت عليه. بهذا المعنى، فإن «الحرب على الإرهاب» باتت تشكل ورقة روسية رابحة في أوروبا، تساعد على دفع صنّاع القرار الأوروبيين إلى البحث عن مساحات تفاهم مع موسكو.
في المقابل، فإن إمساك تركيا بورقة اللاجئين تشكل عامل ضغط مُعاكسٍ على الدول الأوروبية، لناحية الموقف من الأزمة السورية والتدخّل الروسي فيها. فتركيا، وإن كانت الأكثر قدرة على التحكم بمسارات وطرق إمداد «الجهاديين» دخولاً إلى سوريا وخروجاً منها، وهو ما يثير امتعاضاً أوروبياً لم يخرج إلى العلن تماماً، إلا أنها الأقدر أيضاً على ضبط موجات النزوح إلى البرّ الأوروبي، الذي يُحدث جملة من الإرباكات على صعيد القارة، بعضها يرتبط بالجانب الإنساني، وبعضها الآخر بالعبء الاقتصادي إذا ما فاض حجم النزوح عن المتوقع، وثالثها بالهاجس الأمني (وهنا يتقاطع عاملا الإرهاب واللجوء في النتائج)، ورابعها سياسي داخلي، إذ إن الأحزاب التقليدية الحاكمة التي يتكوّن منها «الإستابلشمنت» الأوروبي باتت عرضة لمزاحمة اليمين المتطرف في الانتخابات، وفرنسا بطبيعة الحال تمثّل حالة متقدّمة في هذا الإطار.
في هذا السياق تُفهم قدرة تركيا على موازنة المنطق الروسي لجهة «مكافحة الإرهاب»، عبر اللعب على وترٍ آخر من أوتار الهواجس الأوروبية: ملف اللاجئين. ومن هنا يصبح تحصيلاً حاصلاً تمكُّنُ أنقرة من إقناع الاتحاد الأوروبي بتمويل إجراءاتها الخاصة باللاجئين بنحو ثلاثة مليارات دولار، واستيعاب اللاجئين الذين تُرفض طلبات لجوئهم… وصولاً إلى إعادة فتح التفاوض حول عضويّة تركيا في الاتحاد، والبحث في حرية دخول الأتراك إلى القارة من دون تأشيرات، كما حصل قبل أيام.
في الخلاصة، يلعب كل من بوتين وأردوغان ورَقتي الإرهاب واللاجئين للضغط على الدول الأوروبية المركزية، من أجل دفعها لصوغ مواقف تتلاءم وتوجهاته حيال الحرب السورية، وتُغلّب موقفه في الأزمة المندلعة بينهما. بناء عليه، فإن كل عملٍ إرهابي أو محاولة اعتداءٍ فاشلة في أوروبا من شأنهما أن يعليا من أسهم التعاون الأوروبي مع موسكو. في المقابل، فإن كل موجة لاجئين من تركيا عبر اليونان يُتوقّع أن تُضاعف من قدرة أنقرة على التأثير في الموقف الأوروبي. وفي هذه الأثناء، يُنتظر أن تخوض العواصم الأوروبية الوازنة، أي برلين وباريس ولندن، نقاشات صاخبة قريباً حول صياغة موقف واضحٍ ومُركّب حيال كل من الدورَيْن، الروسي والتركي، في الأزمة السورية.

