صحيفة الكترونية اردنية شاملة

‘عبور’ حزين جداً

0

كما لو ان بينلوبي عرفت ان عوليس لن يعود من غيابه، فلم تنكسر واستمرت واقفة على مدى الدهر تحوك ثوب العرس، في انتظار حيلولة أخرى ربما من غير هذا العالم، حيث لا حياة ولا موت بل كينونة مندمجة أبداً.

هكذا تواصل زينة قاسم انتزاع شرايينها لتحوك ثوباً لرحلة فاجعة، رحلة بلا محطات ولا وصول، ثوباً آخر لحدوث بشري مختلف تماماً، ذاتي ملتهب ومغلق على أنين، لحدوث صاخب في صمته العميق وساكن في انهياراته المجلجلة.

حدوث نادر ليس فيه من حياة بعد موت الآخر الذي هو أغلى من الذات، ولا فيه من موت بعد انتهاء حياة الآخر لكي يبقى دائماً في الذات، ذلك الآخر طلال الذي لم يمت في ١٩ تشرين الأول ٢٠١٠، بل صار متحداً لتكون الأم المذبوحة والابن المرتحل الحاضر في صيرورة واحدة لا هي من الموت ولا هي من الحياة، لكنها عبارة عن شرنقة أمومة مغلقة على عناق زينة وولدها طلال، او لنقل انها مجرّة حب سابحة في فضاء ذاتها ولذاتها.

من اول سطر الى آخر سطر في كتابها “عبور” سواء في الاستعارة البارعة أو في الأبجدية الحزينة تقول لنا زينة قاسم إن ولدها طلال لا يزال هنا وإن “كل أشيائه في غرفته ما زالت على قيد الحياة”، و”اليوم أتيقّن انك لا تتركني… وأنك أمسكت بيدي وجعلتني أقف وأسير على قدمي من جديد” لكأن تلك السيارة الجانية قتلتها هي في ذلك الصباح المدمّر.

لكنها عندما تختار من جبران خليل جبران عبارة “وُجدتَ كي تعيش الحياة وليس كي تَعيش نصف حياة”، كانت تعطي حياتها نصفاً يكمل نصف حياة ولدها المرتحل، وفي الأمر صفعة لفجيعة الموت المتوحش لأنها تكتب: “ليس صحيحاً ان الأم تحمل طفلها في أحشائها تسعة أشهر، الأصح أنها تبقى حاملاً به طوال حياتها، وخصوصاً عندما يأخذه الموت”… يا للهول، ولكن من قال إن طلال لا يعود الى البيت يومياً ويدندن أغنية ثالوث “trinite” للمغني لالجيرينيو؟

قرأت كتاب زينة قاسم مرتين، ولست أدري هل هو قصيدة وجع أبدي هادر في الصميم، هل هو مرثية العمر لتلك النفس المنشطرة نفسين على الطريق ذلك الصباح، النفس الثائرة على تفاعلية الحياة والموت لتتوحد في نفس واحدة وعبور بين الأرض والسماء، هل هي نشيج يعزف لحن “الانتقال من مكان الى آخر أو بين ضفتين متعانقتين”؟

تشق زينة الأم الحزينة طرقاً للحياة ولكن لتعبر الى طلال الذي “مات ليعود الى داخلي ويحيا في أحشائي من جديد وإلى الأبد”… والنور يتسلل دائماً من جرحها الى باطنها حيث ولدها.

[email protected] Twitter@khouryrajeh

النهار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.