إسرائيل إذ تخنق القدس
يقول جيفري غولدبيرج، الكاتب في دورية «ذي أتلانتيك»، إن العنف في مدينة القدس سببه «جنون الاضطهاد الفلسطيني» ورفض الإقرار «بالحقوق القومية والدينية» لليهود. أما بيرت ستيفنز، الذي يكتب في «وول ستريت جورنال»، فيتهم الفلسطينيين بـ «التعطش للدماء»! من جانبهم، يتبارى أعضاء الكونغرس لمعرفة مَن منهم يستطيع إصدار أشدّ الإدانات وأقصاها بحق السلطة الفلسطينية بسبب «التحريض» أو عدم فعل ما يكفي للسيطرة على الأوضاع.
وفي الواقع، إن جذور العنف في القدس أعمق وأكثر تعقيداً من كل تلك المزاعم. فعلى مدار عقود، ظلت إسرائيل تمارس خنقاً ممنهجاً للشطر الشرقي من المدينة. وقبل أن تعزل القدس عن بقية الضفة الغربية في العام 1994، كانت القدس الشرقية تمثل شرياناً لحياة الفلسطينيين. ولم تكن مهمة فقط بسبب دورها الديني، وإنما كانت المؤسسات الفلسطينية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والطبية والخدمية الكبرى موجودة فيها.
وقد أُجبر الفلسطينيون الذين لم يتمكنوا من إيجاد فرصة عمل في القدس على البحث عن مكان آخر لذلك، علماً أن الإسرائيليين لدى علمهم بأن المواطن الفلسطيني لا يعيش بصفة دائمة في المدينة، يلغون إقامته مباشرة، ويرفضون عودته إليها، وقد تم إصدار أكثر من 14 ألف إلغاء إقامة بالفعل لذلك السبب.
وخلال العقود القليلة الماضية، صادرت إسرائيل أكثر من ثلث الأراضي الفلسطينية حول القدس لبناء مستوطنات لليهود فقط، وشبكة طرق سريعة تصلها بإسرائيل. ويعيش في هذه المستوطنات في الوقت الراهن أكثر من مئتي ألف مستوطن يهودي. في الوقت ذاته، رفضت السلطات الإسرائيلية في القدس منح أي تصاريح بناء للفلسطينيين، وهو ما اضطرهم إلى بناء منازل جديدة من دون تصاريح لاستيعاب أعدادهم المتزايدة. وقد أصدر الإسرائيليون آلاف أوامر الإزالة ضد المنازل التي يعتبرونها «غير قانونية». وخلال العقد الماضي وحده، أصبح أكثر من ألفي فلسطيني بلا مأوى في القدس بسبب عمليات الهدم.
ومما يزيد من تعقيد هذه الأوضاع، محاولات الجماعات الإسرائيلية المتطرفة، بمساندة «الجمعيات اليهودية الأميركية»، مصادرة المنازل والممتلكات في قلب الأحياء العربية القديمة في القدس والمدينة القديمة لشغلها بمستوطنين متطرفين. وكثيراً ما تحدث عمليات المصادرة هذه تحت جنح الليل وحماية الجيش الإسرائيلي. وخلال السنوات الأخيرة، استوطن أكثر من 2000 متعصب مشاريع استفزازية بهذه الشاكلة. ولأنها تقع في قلب الأحياء العربية، وتحرسها قوات إسرائيلية، فقد أسفرت عن تعطيل كارثي لحياة الفلسطينيين اليومية.
ويمكن ملاحظة التأثيرات النفسية والمادية المصاحبة لذلك على الفلسطينيين في القدس الشرقية، فثلاثة أرباع سكان القدس يعيشون في الوقت الراهن تحت خط الفقر، ومعدلات البطالة بلغت زهاء 40 في المئة. ويواجه الشباب الفلسطيني المتعلم الاختيار بين القبول بعمل كنادل أو سائق تاكسي أو التخلي عن إقامته في القدس للحصول على فرصة عمل خارج فلسطين.
ويرى الشباب الفلسطينيون آباءهم في حالة من اليأس ويعرفون أن مستقبلهم – في أحسن الأحوال – يخلو من الوعد بحياة أفضل، وقد مهّد كل ذلك الساحة لتفشي العنف الحالي في المدينة.
السفير

