صحيفة الكترونية اردنية شاملة

السهو عن التعليم

0

من العبارات المشهورة التي التقطها الإعلام وهي تجري على لسان دولة رئيس الوزراء : «لقد سهونا عن التعليم» في سياق الحديث عن مشاكل التربية والتعليم في مؤتمر التطوير التربوي، ولقد كانت العبارة تفيض ألماً ومرارة وتحمل في طياتها حشداً كبيراً من المعاني، وهي تمثل إحدى المؤشرات الهامة على مجمل مشاكل المجتمع الكبرى، وتمثل مدخلاً لفهم الأزمة الحقيقية التي ترخي بظلالها على كل المسارات والمجالات وعلى مختلف الأصعدة والمستويات بلا استثناء. السهو عن التعليم يعني السهو عن أمور عديدة، ويعني السهو عن الحياة بكل تفاصيلها، لأن من يسهو عن التعليم يعني أنه سها عن الجيل القادم بأكمله، والسهو عن تربية الجيل وتعليمه يعني خللاً مؤكداً في بناء الشخصية ،عقلاً ووجداناً، وقيماً وأخلاقاً، ومهارة وتدريباً، وعلماً وتخصصاً، مما يؤدي حتماً إلى وجود خلل عام منتشر يمس السياسة والاقتصاد، والاجتماع والتعليم والطب والزراعة والجيش والعسكر أيضاً بلا مبالغة. التعليم الجيد يعني بشكل مؤكد ومتفق عليه إيجاد الطبيب البارع، والمهندس المبدع، والسياسي الفذ، والاقتصادي الكبير والمزارع الناجح والمعلم القدير، وفي مقابل ذلك فان التعليم الرديء يعني اختلال معالم الجودة في كل ما سبق وفقاً لمعادلة رياضية منطقية. يقال بأن الولايات المتحدة عندما سبقتها روسيا في إرسال مركبة إلى الفضاء في بداية الستينات، شعرت بالعار؛ وهي المتقدمة في الجانب العلمي والمادي، مما جعلها تتخذ قراراً وطنياً كبيراً بإعادة النظر في كل مناهجها التعليمية على نحو جذري وشامل وفق أسس علمية وفلسفية جديدة، وهذا هيأها لتفوز بالسباق وتضع أول إنسان على سطح القمر عام (1969م) وتسير في منحنى متصاعد لتصبح القوة الأولى في العالم بلا منازع. اليابان عندما أرادت أن تحقق مركزاً متقدماً على صعيد التنافس العالمي بدأت بمدخل التعليم، من حيث العناية والتطوير، ومن حيث حجم الانفاق ومن حيث زيادة التركيز على إعداد الأجيال الجديدة عبر معادلة منطقية صحيحة تقول بأن كل جيل يجب أن يتفوق على الجيل الذي سبقه من حيث قوة العقل وحجم المعرفة واتقان التخصص وحسن الإعداد والتدريب. ولذلك فإن «السهو عن التعليم» يمثل كلمة السر في تفسير طلاسم التخلف، وزيادة منسوب التعصب، وزيادة مساحات الجهل، الذي سيؤدي حتماً إلى زيادة جيوب الفقر وأعداد العاطلين عن العمل، وزيادة منسوب العنف والتوتر والانهيار القيمي، وتعاظم منظومة الفساد. من مظاهر السهو عن التعليم انتشار ظاهرة الغش في الامتحانات العامة ومنها امتحان الثانوية العامة، والتساهل في معالجتها أدى إلى انتشار مافيات فاسدة جعلت من هذا الموضوع محلاً للاستثمار والمتاجرة، وتشكلت شبكات متعاونة من مرضى النفوس داخل جسم الوزارة وخارجها، والسكوت عن الغش يعني باختصار شديد حصول كثير من الطلاب على معدل علامات مزيّف، وهذا يجعلهم يحصلون على تخصصات فوق قدراتهم، مما سيؤدي إلى دخول حقول الطب والهندسة والعلوم والآداب من لا يستطيع اتقان تخصصه، وسوف يؤدي به إلى الاستمرار في عملية الغش من أجل تحصيل النجاح، مما يجعل الغش يضرب كل منظومة التعليم وكل منظومة التخصصات، وسوف يؤدي قطعاً إلى إيجاد جيل مضروب في كل مناحي الحياة، والذي يغش في الامتحان سوف يغش المريض، ويغش في بناء الجسر، ويغش في استعمال أموال الدولة، ويغش في توصيل المعلومة عبر سلسلة غير متناهية. الاصلاح الحقيقي عملية شاقة وطويلة، ولكنها ضرورية، ويجب أن تكون الخطوة الأولى في التعليم، وأن نشرع منذ هذه اللحظة في عملية تشكيل الجيل الجديد عاماً بعد عام، عبر رؤية جديدة ورسالة جديدة ومناهج جديدة وفلسفة جديدة، بلا أدنى تردد، ويجب أن يتم تخصيص موازنة مضاعفة لهذا الحقل الحيوي الاستراتيجي البالغ الأهمية. بقي سؤال كبير يحتاج إلى إجابة شافية: لماذا لم يتم محاسبة الذين سهوا عن التعليم وتسببوا في إحداث هذه المصيبة العظيمة والأزمة القاتلة؟ لماذا لم يتم محاسبة الذين رعوا ظاهرة «الغش» وتواطؤوا معها؟

الدستور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.