صحيفة الكترونية اردنية شاملة

غفران الذنوب بلا توبة!

0

قال أبو هريرة: سمعت رسول الله -صلى الله عليه و سلم- يقول:( « كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر فوجده يوما على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا ؟ فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد أكنت بي عالما ؟ أو كنت على ما في يدي قادرا ؟ وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت (أهلكت ) دنياه وآخرته .
حديث صحيح أخرجه أحمد في مسنده وأبو دود في سننه .
ومعنى قول رسولنا -صلى الله عليه وسلم- : مُتَوَاخِيَيْنِ : أَيْ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الْقَصْد وَالسَّعْي ، فَهَذَا كَانَ قَاصِدًا وَسَاعِيًا فِي الْخَيْر ، وَهَذَا كَانَ قَاصِدًا وَسَاعِيًا فِي الشَّرّ .
وتشبه هذه القصة ما حدث به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح الإمام مسلم : أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ . وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ .
وفي القصة أنّ الله غفر للمقصر بدون توبة ، قال الإمام النووي رحمه الله :» وَفِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة فِي غُفْرَان الذُّنُوب بِلَا تَوْبَة إِذَا شَاءَ اللَّه غُفْرَانهَا «. فعقيدتنا : أنّ كل ذنب سوى الشرك فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء أخذ به ، أما الشرك فقد سبقت فيه كلمة الله: «إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء»
إنّ هذه القصة لتحذرنا من أن نقحم أنفسنا بين الله وعباده ، وأن ننصبها حكماً على عباد الله ، فالله هو الذي يحكم بين عباده ، وهذا من رحمته بنا ، فلو وكل الله أمرنا إلى غيره لهو الهلاك بعينه .
سمعت هذا الحديث في سياق موعظة ألقاها شيخ شاب، بعد صلاة عصر يوم أمس، يتحدث لغة تخالف ما يذهب إليه الوعاظ عادة، من تخويف ووعيد، وقد بحثت في أصل الحديث، فاستأنست لصحته، وفورا قفزت إلى ذهني صور المشايخ الذين يهيأ لك أنهم جعلوا من أنفسهم بوابين على أبواب الجنة، يدخلون من يشاؤون ويقذفون من يشاؤون في النار، كم فرحت لهذا الحديث، وكم فرحت لمنطق الشيخ الشاب، الذي تستدعي صورته صورة شيوخ الدواعش من الشباب الذين ينفذون أحكام الإعدام بصورة بشعة، بحجة إقامة شرع الله، وتمنيت فعلا لو يستمع هؤلاء أو يقرأوا مثل هذا الحديث، وغيره، مما يظهر حقيقة الإسلام!
الدستور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.