دافـوس .. بعيـدا عـن الاقتصـاد
الاقتصاديون قادرون على قراءة دافوس رقميا وتنمويا وعائدات مرتقبة , لكن قراءة دافوس في البحر الميت مغرية للقراءة بدلالات سياسية وامنية واجتماعية ومكانية وزمانية , فهذه البقعة التي بقيت طوال سنوات مرتعا للذباب والقارص ولهيب الشمس , باتت اليوم مثل زهرة الملح في الاسطورة التي تقول “ ان محاولات اجراها عاشق لكي ينتج وردة بيضاء ساطعة مثل سطوع الملح وبعد محاولات دؤوبة نجح العاشق في انتاج هذه الزهرة لحبيبته “ , والعاشق في زهرة ملح البحر الميت هو عبدالله الثاني ابن الحسين والحبيبة هي الاردن بكل موروثها وتراثها وطبيعتها وطبائعها .
مَن كان يصدّق ان العالم سيجتمع في اجواء منعشة في اخفض بقعة في العالم , ومَن كان يصدّق ان جليد وثلوج دافوس ستصل الى البحر الميت محافظة على كينونتها ؟ فالناس تهرب من زمهرير البرد الى احضان البحر الميت ناشدة الدفء , والناس تهرب من حرارة الشمس الى برودة التزلج والجليد , فكيف تلاقى النقيضان وكيف اجتمعا على ارض بعيدة , والجواب كل ما في هذه الارض يشير الى عبقرية مكانية وزمانية , فعلى هذه الارض ما يستحق الحياة وفيها من العقول ما يجعلها اجمل البقاع وأكثرها نجاحا وتقدما , ومنها ستشرق شموس الامة وستطلع اقمار تحرير الارض والانسان .
قبيل المؤتمر , شكونا من تنافر اجنحة الدولة وابتعاد المسننات عن بعضها بعضا , وخلاله نرى نموذجا مثيرا من الانضباطية والتوافق والعمل المشترك ومِن نفس الفريق ونفس المسننات ونفس الاجنحة , مساءً , وخلال هاتف عجول مع وزير التخطيط عماد فاخوري أشاد الرجل بكل القائمين على العمل من ديوان وحكومة وأمن , وكانت نبرة القوة تفوح من صوته , وأهمس جازما بأنني لأول مرة اسمع تلك النبرة القوية من الرجل مسنودة بحجم تفاؤل كبير قياسا بالايام القادمة ولعنة الاقليم ونيرانه , وتلك قصة اردنية واجب حكايتها ومناقشتها والاستناد عليها وتقديمها لجيل شاب يرى الاسود طاغيا على معظم تفاصيله , حتى يسترد جزءً من وجدانه .
خلال اقل من اسبوع واحد , تُقدم دولة تُحيطها النار من كل جانب , وتعصف ببدنها الاوجاع اللاجئة والمُستوطِنة , على نقلتين كل واحدة اخطر من شقيقتها , إقالة واستقالة ثالوث الامن العام الشُرطي , واحتضان اكثر من الف شخصية من العيار الثقيل في بقعة واحدة رغم كل تحذيرات الدنيا بعدم القدوم الى هذه البقعة المشتعلة , والناس تأتي من كل فج عميق , والشوارع تجوبها مركبات فَرِحة بالنقلة الاولى ومستبشرة بالنقلة الثانية , فهل هذا حدث عابر لا يجب التوقف عنده ؟ ثمة اسئلة في الحلق تموج عن اسباب اغفال هذه الظواهر التي تحمل البشائر وكلها بالمناسبة موجهة الى الحكومة لا غيرها , فهذا الشعب اجاب عنها منذ بزوغ نجمة البشارة بإقامة الدولة , وجزء منها الى القوى السياسية والنخبة المحلية .
لا احب الارقام ودلالاتها , فالرقم وجهة نظر , وما سينجم عن المؤتمر الاقتصادي من ارقام لها ناسها ولها محللوها , لكن ثمة بريق يفوح من هذه الارض بعبقرية زمانية ومكانية , لا يجد من يتلقفه ويعيد توصيله الى قطاعات واسعة من الناس تحتاج الى بارقة أمل كما الكثير من قصص النجاح , وثمة محترفون لنشر البغضاء وتوتير اللحظة الوطنية وبأغلبهم رسميون سابقون او عابرون للمناصب يقبعون الآن في غياهب الجبّ الوظيفي على امل مقعد شاغر , يتركون اللحظة اذا ما غافلت مصالحهم .
في كل مرة ورغم كل محاولات التشكيك في الاردنيين وصلاحيتهم للاصلاح وللتقدم يثبتون انهم الاكثر جدارة والاكثر أحقية به والدليل زهرة البحر الميت والنقلة التي قبلها وقبل كل ذلك وعيهم الغريزي بالحفاظ على امنهم وامانهم ووطنهم بعيدا عن الحرائق .
الدستور

