حقيقة المساعدات الخارجية للأردن
ليس صحيحا ما تدعيه الحكومات، في بياناتها الوزارية وخطابات الموازنة العامة، حول سياساتها واجراءاتها التي تتبعها على صعيد الاقتصاد الوطني بأناه تتجه لزيادة الاعتماد على الذات، فهذا أمر لا يعدو كونه شعارات شعبوية لا أكثر، لا تمت للحقيقة بأية صلة.
للأسف، الشعارات الحكومية في الاعتماد على الذات تصطدم بواقع الاعتماد المتزايد على المساعدات الخارجية بشكل لافت، لدرجة أننا نستطيع القول إنه لولا تلك المساعدات لكان الاقتصاد الوطني في خبر كان.
واهمية المساعدات الخارجية كبيرة في الموازنة العامة ليس لأنها تساهم بتغطية العجز وتمويل نفقات الحكومة المتزايدة، بل لمساهمتها في تمويل النفقات التشغيلية من رواتب والتزامات دورية اساسية، كانت في السابق تمول من الخزينة التي كانت على الاقل الايرادات المحلية فيها تغطي كامل النفقات التشغيلية، اما الان فهي لا تغطي سوى 83 بالمائة من تلك النفقات.
العام الماضي لوحده كان حجم المساعدات الخارجية الذي تلقته المملكة قياسيا بكل ما في الكلمة من معنى، فقد بلغت ما يزيد على 3.4 مليار دولار، وهو اكبر حجم مساعدات تتلقاه حكومة في عام واحد، منهم ما يناهز الـ60 بالمائة على شكل قروض، والباقي منح ميسرة ومشروطة واخرى موجهة لتداعيات الازمة السورية.
التحول النوعي في المساعدات الخارجية هو المقدم من الدول الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي لعبت منحها المالية للأردن في السنوات الماضية والتي بلغت مليار دولار سنويا، دورا مهما في انقاذ الاقتصاد من أزماته المالية الخانقة التي كان معظمها بسبب تداعيات ارتفاع اسعار النفط العالمية، إذ تطورت هذه المساعدات وتمت مأسستها عبر صندوق تنموي ممول من الدول الخليجية بقيمة 5 مليار دولار لخمس سنوات لتمويل مشاريع انمائية محددة يتم التوافق عليها بين الطرفين.
اما تقديرات الحكومة لحجم المساعدات فهناك تباين كبير بين ما يقدر فعليا في الموازنة وبين ما تستلمه المملكة، سواء من خلال الخزينة او من خلال المؤسسات والجمعيات والهيئات المستقلة، فالموازنة تقدر المساعدات بواقع 960 مليون دينار في العام 2014، في حين كشفت ارقام رسمية ان حجم المساعدات الخارجية الملتزم بها للأردن (منح وقروض ميسرة) من مختلف الدول والجهات المانحة والتمويلية لغاية منتصف حزيران بلغ 916.8 مليون دولار او 680 مليون دينار، وهي تقترب من المقدر في الموازنة في عام كامل، ما يدلل على وجود تدفقات للمساعدات على المملكة.
التحول السلبي في المساعدات هو ان الجزء الاكبر منها لم يعد منحا تقدم من الدول الصديقة والمانحة كما كان في السابق، بل باتت القروض هي الجزء الاكبر من تلك المساعدات، وهذه القروض تتحول الى دين، وهو ما يفسر النمو الجنوني في المديونية العامة في الآونة الاخير، والتي وصلت الى ما يزيد على 25 مليار دولار ، واذا ما اضفنا المليار الجديد الذي تلقته الحكومة قبل اسبوعين من سندات “يوروبوند” فان هذا الدين يصل الى 26 مليار دولار.
التحول من المنح الى القروض، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة في الاقليم، يعطي مؤشرات سلبية على علاقة الأردن بالمانحين الذي يتجهون بمساعدته من خلال اقراض وليس تقديم المنح له على الرغم من تداعيات الازمات السياسية في المنطقة عليه، وهو ما يجعل المراقب يفكر جليا في اهداف تلك القروض التي تسمح للدول المقترضة في بعض الاحيان والفترات باستخدامها لاغراض سياسية، خاصة اذا كان الوضع الاقتصادي العام في المملكة صعب كما هو حاصل الان، حينها سيكون هناك تحديات كبيرة امام المملكة في التعاطي مع المانحين، بعد ان تكون قد اعتمدت بشكل كبير على هذه المساعدات في تمويل نفقات الحكومة المتزايدة، وحينها يكون من الصعب عليها الاستغناء عن تلك المساعدات.
[email protected]
[email protected]

