حبر وملح (أكثر من لعبة)
حسناً فعل تلفزيون لبنان الرسمي حين قرر بث مباريات كأس العالم لكرة القدم رغماً عن الشركة الاحتكارية ومنح الشعب اللبناني بشرائحه كافة وخصوصاً الفقيرة حق مشاهدة اللعبة الأكثر شعبية في العالم والتي توصف دائماً بأنها لعبة الفقراء، وذلك أسوة ببقية شعوب المعمورة المتحوّلة عرساً كروياً كل أربع سنوات يتابعه ملايين البشر في أصقاع الأرض مرتاحين قليلاً من وطأة حروب وأزمات طاحنة ومن مشاهد القتل والذبح والموت والخراب التي تعمّ بلداننا العربية الممثلة في المونديال بالمنتخب الجزائري الذي نتمنى له التوفيق والنجاح والخروج بنتائج مفرحة.
طبعاً مسألة احتكار البث التلفزيوني لمجريات كأس العالم لا تقتصر على لبنان فلعبة الفقراء صارت ألعوبة بيد الأغنياء والشركات الكبرى والمراهنين، وكلنا تتناهى إلينا أنباء الفضائح المتتالية التي تنخر الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا وتصيب فيما تصيب نجوماً محبوبين من اللاعبين الذين صاروا سلعة غالية الثمن في أسواق الأندية، وكثيراً ما نسمع عن انتقالات اللاعبين من ناد إلى آخر مقابل ملايين الدولارات الأمر الذي حوّل كرة القدم إلى سوق هائلة لكثير من العمليات المنظورة وغير المنظورة ما يطرح العديد من علامات الاستفهام حول المدى التي بلغته هذه الحالة في أروقة اللعبة الأشهر.
…ومع ذلك تظل كرة القدم اللعبة الأكثر سحراً وشعبية، تستعد لها المنتخبات على مدى سنوات أربع وتتهيأ لها الشعوب وتُقام على شرفها الاحتفالات وتغص الشوارع والميادين بالمحتفلين بفوز هذا المنتخب أو ذاك، واللافت أن الشعوب الممثلة في التصفيات النهائية تبتهج لمنتخباتها وتناصرها وتشد أزرها بوسائل متعددة، ويتوافد المشجعون هذا العام إلى بلاد السامبا وسحرة الكرة لمؤازرة لاعبي بلدانهم غير آبهين بأعباء السفر ومشقاته ففرحة اللعب تفوق كل عناء، أما فرحة الفوز فلا مثيل لها ولا شيء يضاهيها، وكم كتب الأدباء عن ما تختصره اللعبة من أحوال العيش نفسه حتى غدت الكرة بالنسبة لبعضهم مثال الحياة نفسها يلهث وراءها اللاهثون ويتصارع لأجلها المتصارعون، بعضهم يهاجم وبعضهم يدافع فيما يكون الانتصار من نصيب الذي يحقق الفوز المبين، وهكذا يغدو الملعب الأخضر نموذجاً مصغراً لملعب الحياة المتسع لمساحة الكرة الأرضية، وكلا الكرتين تدور.
أما الشعوب غير الممثلة في المونديال لأن منتخباتها لم تصل إلى التصفيات أو خرجت باكراً من التنافس فتروح باحثة عن منتخبات بديلة تفجّر من خلالها فرحها أو حزنها، وتنقسم تلك الشعوب خصوصاً تلك التي لم تحقق هوية وطنية منجزة ومتكاملة بين هذا المنتخب وذاك، وهكذا صرنا نرى في الشوارع والساحات (في بيروت على سبيل المثال) أعلام الدول المشاركة في التصفيات النهائية لكأس العالم ترفرف أنّى ذهبنا أو حللنا، فيما الشباب يجوب الشوارع هاتفاً لهذا المنتخب أو ذلك من الفائزين بعد كل مباراة مطلقاً العنان لكل الشحنات الكامنة في أعماقه، ولئن كان لهذا الأمر من دلالات فأولها رغبة شبابنا بالفرح وحاجتهم إليه، فمقابل مونديال الكرة الذي يدور على أرض البرازيل ثمة «مونديال» آخر يدور في بلادنا وعليها حيث تُترجم الصراعات الدولية والإقليمية حروباً طاحنة تسيل فيها الدماء وتتناثر الجثث وتتكاثر المقابر. لا نريد تنغيص فرحة الفرحين بمزيد من الهمّ والغمّ اللذين يعتمّان أيامنا الراهنة ويزرعان فينا التوجس والريبة من تلك الآتية، لكننا نكتفي بالقول حبذا لو يدرك المعنيون في بلادنا ومَن بيدهم الأمر والنهي كم تلعب التنمية الاجتماعية والبشرية من دور في تقدم الشعوب واستقرارها وازدهارها، وكم تساهم في إبعاد أشباح التطرف والتشدد وبث روح التسامح والحوار بين مكوّنات المجتمع، وبالطبع فان الرياضة باب واسع من أبواب التنمية وميدان من ميادين الاستثمار في البشر والرهان على الإنسان، فهل نحلم بيوم تمسي فيه الرياضة في بلادنا موضع الرعاية والاهتمام تنفق عليها الأموال اللازمة وتُرصد لها الموازنات اللائقة عوض شراء الأندية وسواها في بلاد الآخرين!
الحياة

