أزمة القرم: الغرب وبوتين
توشك أزمة القرم على دخول أسبوعها الثالث ولا تلوح نهاية لها في الأفق، بينما يصر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على زعمه أن إقصاء الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، في الحادي والعشرين من فبراير الماضي، هو عمل «غير قانوني»، ومن ثم فإن الحكومة الأوكرانية الحالية نفسها غير شرعية، ولا تسيطر على الدولة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم.
وعلى الجانب الآخر، تزعم الحكومة الأوكرانية وأنصارها في أوروبا والولايات المتحدة أن يانوكوفيتش مذنب، فهو -على حد قولها- زعيم فاسد ومرتشٍ، ترك منصبه بعد أن أمر أثناء توليه الرئاسة في كييف بقتل ما يزيد على 80 مواطناً احتجوا على سلوكه.
وما أن ترك يانوكوفيتش العاصمة، حتى قام البرلمان الأوكراني بتعيين حكومة جديدة اعتبرها شرعية، وقبلها الغرب كممثل عن الشعب.
وتفاقمت الأزمة الدستورية في أوكرانيا بسبب طلب شبه جزيرة القرم في الجنوب، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، تنظيم استفتاء للمطالبة بضمها إلى روسيا الاتحادية.
وبطبيعة الحال لن يُسمح للأوكرانيين الذين لا يعيشون في القرم بالتصويت في ذلك الاستفتاء المتوقع، وهو شرط تزعم كييف وأنصارها أنه غير قانوني، وعليه، إذا ما تم المضي قدماً في الاستفتاء المذكور، فمن المتوقع أن تختار أغلبية ساحقة تعزيز العلاقات مع روسيا، بما في ذلك الانضمام إليها.
وبالنظر إلى أن البرلمان الروسي من دون شك سيقبل «رغبات» أصدقائه في القرم إذا ما طالبوا بالانضمام إلى روسيا، وهو أمر في حكم المؤكد، وإن كان الغرب سيرفض النتيجة بكل تأكيد، فإن المشهد برمته يتجه إلى جولة جديدة من المواجهة مع الرئيس بوتين في ظل دعوات جديدة بفرض عقوبات وعزلة دبلوماسية.
وبالطبع، سيصبح خطر هذا التصدع العميق في العلاقات الروسية مع الغرب أكثر حدة إذا ظهرت مطالب موازية بالانضمام إلى روسيا من قبل الأوكرانيين المؤيدين لموسكو في شرق البلاد. فمثل هذا التحرك من شأنه أن يفضي إلى مظاهرات حاشدة من قبل الأوكرانيين المؤيدين للغرب، الأمر الذي يوفر بيئة خصبة لأعمال العنف والتصعيد المتبادل.
ويأتي مصدر التعقد في مشكلة القرم من حقيقة أن بوتين هو من يمتلك جميع أوراق اللعب في هذه المرحلة، لاسيما أن قواته متمركزة على الأرض ومنتشرة في جميع أنحاء شبه الجزيرة، ويمكنها بسهولة التحرك إلى شرق أوكرانيا لدعم المتظاهرين المؤيدين لروسيا. وعلى الأرجح سيواجه مثل هذا الغزو بمقاومة أوكرانية ضارية، لكن الغلبة في النهاية ستكون للقوة العسكرية الروسية، وعندئذ لن يجد «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) خياراً آخر سوى تعزيز تواجده العسكري في بولندا ودول البلطيق التي تخشى جميعها من طموحات روسيا الجامحة.
ومن دون شك، ستكون هذه المواجهة الأكثر خطراً بين روسيا والغرب منذ الحرب الباردة، وستنطوي على تداعيات عالمية تمس النظام العالمي وتهدد استقراره الاقتصادي في العمق. لكن نظراً إلى أن روسيا دولة تمتلك أسلحة نووية، فمن المستبعد تماماً أن تقوم الدول الغربية بعمل عسكري ضدها، حتى ولو بلغ التفاقم أقصى مدى له في مشكلة القرم وأوكرانيا.
ومن أجل الحيلولة دون هذا التصعيد، لابد من إيجاد طريقة لإقناع بوتين بأن من مصلحته التوصل إلى تسوية سياسية مع الحكومة الأوكرانية الحالية، وفي النهاية سحب القوات الروسية التي أرسلها إلى شبه جزيرة القرم أثناء الأزمة الراهنة.
وفي ضوء ما هو معروف عن ميول بوتين ومواقفه المتصلبة، من المستبعد أن ينصت إلى طلبات الرئيس الأميركي باراك أوباما، إذ يعتبره ضعيفاً ومخادعاً، لكنه سيكون بالتأكيد أقل ميلاً إلى تجاهل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي أسس معها علاقات وثيقة بين بلديهما على مدار الأعوام الماضية، ويمكنه بالتالي التحدث معها في ألمانيا حول إيجاد تسوية.
وعليه، فإن ما يتعين على المستشارة ميركل شرحه بلغة واضحة لبوتين هو أن العلاقات الاقتصادية المستقبلية لروسيا مع الاتحاد الأوروبي ستتضرر بشدة إذا ما رفض التوصل إلى تسوية بشأن شبه جزيرة القرم.
والحقيقة أيضاً أن روسيا تمتلك بطاقات لعب قوية في ما يتعلق بعلاقاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار إمدادات الغاز الطبيعي الروسية إلى أوروبا. مع أن ذلك من شأنه إيجاد قوة دافعة لدى الأوروبيين من أجل إيجاد إمدادات بديلة للطاقة وعدم الاعتماد بشكل مكثف على الغاز الطبيعي من روسيا.
وبمرور الوقت، يمكن إيجاد إمدادات غاز جديدة إلى القارة العجوز في ضوء تكنولوجيا استخراج الغاز الجديدة، وبزوغ الولايات المتحدة كمنتج رائد للغاز الطبيعي في العالم.
وما لم تتم مواجهة تحركات بوتين بشكل حاسم، فإنه من دون شك سيمثل تهديداً على الدول المجاورة لروسيا، وهي دول توجد بها أعداد سكان كبيرة من الروس، ومن بينها أعضاء في حلف «الناتو» و«الاتحاد الأوروبي».
وإذا ما أسفرت تحركات بوتين الراهنة حيال أوكرانيا عن مواجهة اقتصادية حاسمة مع الغرب، فإن الركود الناتج عن تدهور العلاقات، سيسفر على الأرجح عن حدوث أضرار بالغة على المدى الطويل للمصالح الاقتصادية الروسية، وذلك في ضوء اعتماد روسيا بقوة على صادرات السلع، التي دائماً ما تعاني بشكل كبير عند حدوث أي تراجع اقتصادي عالمي.
ويمكن أن تسفر الأحداث الراهنة وفرض عقوبات على موسكو عن هروب مزيد من رؤوس الأموال المحلية من روسيا، واستمرار التردد في تدفق الأموال الأجنبية إليها. وتحتاج روسيا إلى هذه الاستثمارات بدرجة ملحة لتنويع وتحديث اقتصادها بعيداً عن قطاع الطاقة.
وبمنأى عن صناعة الأسلحة، لا توجد سوى منتجات روسية قليلة بجودة عالية في الأسواق العالمية، وستكون هذه الحقيقة إلى جانب العقوبات المستهدفة والقيود على منح تأشيرات سفر لأثرياء النفط الفاسدين في روسيا، كفيلة في غضون أسابيع قليلة بإقناع بوتين بضرورة التوصل إلى تسوية سلمية لأزمة القرم.
الاتحاد

