أطباء ضد الطب
في سبتمبر 2103، انعقد أعجب مؤتمر طبي في تاريخ الطب، لم يكن عن أحدث وسائل التشخيص، أو المعالجات المتقدمة لكشف ومعالجة السرطان، أو الكشف عن أسرار جديدة في الباثولوجيا وأسرار أمراض عاتية. لم يكن كل هذا أو أقل منه، بل كان المؤتمر موجهاً ضد الأطباء على نحو عجيب، في رسالة موجهة إلى المواطن العادي: احذر فرط التشخيص، لا تسلم نفسك لكل طبيب يكتشف فيك علة جديدة؟
تعجبت من وجهة نظر الأطباء المحتشدين في هذا الفضاء الطبي. واجتمع في كلية الطب في مدينة «دارت ماوث» في ولاية نيو هامشر الأميركية أكثر من 250 طبيباً وخبير صحة لمناقشة ظاهرة فرط التشخيص عند المواطنين وأضرار ذلك من جوانب شتى ليس أقلها القلق.
ما يحدث في الواقع، وأكده ثلاثة من الأطباء في كتاب خاص أصدروه أنه إنذار خاطئ يورث مرضاً نفسياً فيوحي إليه أن صاحبه مريض وهو ليس بذلك؟ أصدر كل من «ليزا شفارتس» و«جيلبرت ويلش» و«ستيفن ولوشين» كتاباً بـ 326 صفحة بعنوان (مصيدة التشخيص = Diagnostic Trap) ليقولوا فيها: أيها المراجع أنت فأر تقع في مصيدة كاذبة! فاحذر أن تسلم نفسك لمزيد من الفحوصات، تثقب الجيب، وتظهر العيب، وتعكر الروح.
وتقول (فلسفة) الصحة والمرض أن الناس يذهبون في العادة إلى الأطباء حين يشكون على أمل أن يرجعوا بالصحة والسلامة، ما يحدث اليوم هو العكس يذهب أناس لا يشكون شيئاً بصحة تامة ليرجعوا مرضى قد اكتشف فيهم أكثر من علة. يدفعهم الأطباء للخضوع لألوان شتى من الفحوصات تحت زعم أمراض خفية للكشف المبكر! فيها يخضعون لسلسلة مريعة من هجمات التشخيص، فساعة مد اليد لشفط الدم، وثانية صعود وهبوط سلالم ومراوح وطاولات، وثالثة في التصوير الطبقي المحوري فتروح معه الروح ألواناً، ورابعة الأثافي دخول في جهاز مرعب، بأصوات مفزعة، اسمه الطنين المغناطيسي، دخلته ففزعت وأنا الطبيب كان يطن طنيناً يثقب الآذان. وأحياناً خلع الثياب واستعراض حركات بهلوانية من جهاز يقفز ويقيس، بل وإدخال أسلاك وفتائل في المعدة والقولون، وفي النهاية أنت مصاب بكذا وكذا، وخذ كذا وكذا.
عيب أن تراجع الطبيب فتخرج سليماً لابد من خروجك عليلا. لابد من كشف شيء قلب أكبر من حجمه، رئتان فيها ظلال مشبوهة، كولسترول مرتفع، سكر متأرجح، وظائف الكبد مشحمة. أنا شخصياً حين أدرس بعض مرضاي بجهاز «الدوبلر» يتعجبوا حين أقول لهم شرايينكم بقوة الشباب وصحة الربيع يتوقفوا ولكن؟ وكأنهم كانوا ينتظرون مصيبة؟ أكرر اطمئن يا صاحبي كل شيء على ما يرام.
القاعدة تقول علينا بالعلاج حين التثبت من مرض من دون أعراض قد يفضي إلى الموت والعجز. يجب مصارحة المريض ودفعه إلى العلاج. حالياً يحدث العكس التهام قبضة من الحبوب مع ومن دون مرض خطير. ما يحير الأطباء حالياً ليس نقص التشخيص والمعدات والأجهزة المعقدة على العكس كثرتها وتعقدها. في مؤتمر (دارتمووث) وقف الأطباء لدراسة هذه الظاهرة الخطيرة، وهي أول مبادرة في حملة تشن على صروح الأطباء وجيوبهم بالأحرى، لأن الطنين والرنين والإشعاع والفزاع كله يهجم على جيب المريض المزعوم فيثقبه بضراوة.
خطر هذا التوجه أن أبداننا ليست «آلهة» من دون عيب، ما يدفع الطبيب ليبرر فحصه وتشخيصه؛ فيكتب ويسطر بلغة هيروغليفية لا يفكها إلا الصيادلة المخضرمون، فهذه أسرار أصحاب المعاطف البيضاء.
الإتحاد

