الشرق الأوسط: حرب كلام وتهديدات
يشهد الشرق الأوسط تحوّلاً أساسياً في النفوذ يؤشّر هذه المرة لتنبّه القيادات إلى حقائق أُغفلت طويلاً وتُرِكت لتعتمل وتتحوّل عوائق يتعذّر تخطّيها.
لقد أدّت السعودية تاريخياً دوراً ريادياً بين الدول العربية في التوسّط بين مختلف الأفرقاء وتقديم الاستشارة في تسوية النزاعات، لكنها انكفأت في العقد الماضي، فأفسحت في المجال لقطر والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى.
وقد أظهرت قطر خصوصاً جرأة كبيرة في مقاربتها للأمور بدءاً من إطلاق قناة “الجزيرة”، وسرعان ما تحوّلت قوة على الساحة العالمية، وصولاً إلى فوزها بتنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم سنة 2022. وتخلّل ذلك استضافة مركزَي أبحاث أميركيين بارزين، والتوسّط في محادثات المصالحة، وتأدية دور ريادي في القمم العربية، وتسلُّم زمام المبادرة في النقاش الخاص بالعلاقات مع إسرائيل.
إلا أن قطر لم توضح من جهة أخرى روابطها المثيرة للجدل مع التنظيمات الإرهابية مثل “القاعدة” وحركة “طالبان” في أفغانستان. على رغم من كل الجهود التي يبذلها المسؤولون القطريون لينأوا بأنفسهم عن قناة “الجزيرة” بالادعاء انها خارجة عن سيطرتهم، تنظر الشعوب والحكومات إلى السياسة القطرية من خلال هذه المحطة التلفزيونية التي اتّخذت موقفاً إلى جانب هذا الطرف أو ذاك تقريباً في كل النزاعات التي تولّت تغطيتها.
خلال الحرب الأميركية في أفغانستان، اتّهمت الولايات المتحدة قناة “الجزيرة”، على خلفية روابطها الوثيقة مع “القاعدة”، بأنها الناطقة باسم التنظيم الإرهابي. وعندما استقبلت الدوحة على أراضيها أول مكتب لحركة “طالبان”، حصل ذلك تحت ستار تسهيل محادثات السلام مع الولايات المتحدة وأفغانستان. سرعان ما جرى التدقيق في حقيقة النيات، وأدّى غياب الشفافية إلى اقفال مكتب “طالبان” في الدوحة.
خلال الشقاق بين “فتح” و”حماس”، اصطفت قناة “الجزيرة” إلى جانب “حماس” فتسبّبت بالاستقطاب لدى المشاهدين والقيادة الفلسطينية. ودعمت المحطة “حزب الله” في مواجهة المجموعات اللبنانية الأخرى، مما أثار استقطاباً في لبنان. وقدّمت “الجزيرة” دعماً واضحاً وصريحاً لجماعة “الإخوان المسلمين” في مصر. وقد اشتدّت المواجهة كثيراً فوصل الأمر إلى حد سجن صحافيين من المحطة بتهمة مساعدة تنظيم إرهابي. طُرِدت “الجزيرة” منذ انطلاقتها، من بلدان عدّة على خلفية اتهامها، واتهام قطر من خلالها، بالتحريض.
ما نشهده حالياً من سحب للسفراء وتهديدات بالحصار على مشارف زيارة أوباما للمنطقة هو صراع على السلطة والنفوذ يعتمل منذ وقت طويل؛ إلا أن ما يحتاج إليه العرب هو توزيع المسؤوليات. التهديدات التي تواجهها المنطقة متفجِّرة ومهلكة. وتُظهر الأحداث الأخيرة التدهور في العلاقات والولاءات والمسؤوليات.
النهار

