صحيفة الكترونية اردنية شاملة

شرُّ البلية

0

نبادر إلى القول فوراً إن مادة النقد والسخرية اللاذعة غير المُبتذَلة لمن يعمل في الشأن العام أكثر من واجبة وأكثر من ضرورية، سواء كانت تلفزيونية أو إذاعية أو صحافية، وغالباً ما يُستدل على عافية شعب أو مجتمع من خلال مقدرته على اجتراح الطرائف والنكات حيال واقع الحال المعاش، ولنا في الشعب المصري خير دليل على كيفية تحويل النكتة إلى موقف سياسي فردي وجماعي تجاه هذا الحدث أو ذاك المسؤول، فالنكتة ليست مجرد فشّة خلق وإن كانت السلطات تفضلها كذلك وتسعى إلى جعلها أو بقائها عبارة عن مُتنفَس لا يغير في واقع الحال شيئاً، لكن شتان بين ما تريده السلطات وما يريده الناس القادرون دائماً على استنباط النكات من قلب الوجع والمأساة.
في لبنان تزخر قنوات التلفزة ببرامج النقد السياسي اللاذع، ولكل محطة تلفزيونية برنامجها الساخر الذي غالباً ما يتماهى مع المحطة نفسها فيركّز نقده على مَن تخالفهم القناة التوجه السياسي متحاشياً نقد من تواليهم وتؤيد مواقفهم، وهذه أولى علل ونقاط ضعف تلك البرامج، يضاف إليها طبعاً مآخذ كثيرة في مقدمتها الاستنساخ الذي تمارسه لتبدو وكأنها برنامج واحد بوجوه متعددة بحيث يغيب الابتكار لمصلحة تقليد أعمى يساهم في التقليل من أهمية البرامج المذكورة وجدواها، كما يؤخذ على معدّيها الاعتماد المبالغ فيه على الإيحاءات الجنسية وصولاً إلى حد السفاهة والابتذال المسيء أولاً إلى أصحاب البرامج نفسها قبل إساءته إلى المنقودين من خلالها، الأمر الذي يقلّل من مصداقيتها ويجعلها فريسة سهلة للمستائين منها والطامعين بإيقافها.
في معزل عن ملاحظاتنا الجوهرية على برامج السخرية التي تبثها القنوات اللبنانية، نعتبر وجود هذه البرامج علامة صحية ودليل عافية، لأن النقد والمساءلة شرطان ضروريان للحرية التي يجاهد لبنان للحفاظ عليها على رغم آفات الطائفية والمذهبية والتعصب والتطرف الذي يهدد لبنان نفسه وليس فقط حريته، لذا أياً كانت المآخذ على برامج النقد السياسي يبقى وجودها ضرورياً ومطلوباً، وينبغي الدفاع عنها على رغم كل علاتها وزلاتها وهي ليست قليلة على الإطلاق، لكن وجودها مع هامش الخطأ أفضل بكثير من غيابها، ودائماً نردد إن خطأ الحرية أجمل من صواب الاستبداد.
أين المشكلة إذاً؟ أو ما هو المطلوب من تلك البرامج لكي تبقى على قيد البث وتظل محافظةً على استقلاليتها ومصداقيتها؟ أول ما يتبادر إلى الذهن رداً على هذه التساؤلات هو الانتباه إلى الفارق الكبير بين نقد الشخص نفسه ونقد موقفه وسلوكه وأفعاله، لهذا من الأفضل لمعدّي البرامج المذكورة التركيز على مواقف السياسي المنقود بدلاً من السخرية من شكله أو مظهره أو طريقة لفظه، والابتعاد قدر الإمكان عن الأمور الشخصية غير ذات الصلة بالشأن العام، لأن هذه الأمور تدخل في باب الحرية الشخصية ما لم تكن متصلة بالمنصب العام الذي يتولاه هذا أو ذاك من السياسيين الذين بغالبيتهم يستحقون النقد صبحاً ومساء.
إن الارتقاء بمستوى البرامج الانتقادية ومضمونها والعمل على رفع سويتها المهنية والنقدية يعززّها ويحصنّها ويحميها من المتربصين بها وهم كثر، لذا نراهن على ذكاء معدّي بعض البرامج المميزة (ولا نقول كلها لأن بينها ما هو نسخٌ مشوه) لتفويت الفرصة على الراغبين في غياب هذه البرامج عن الشاشة، وأيضاً للابتعاد عن كل ما يدخل في خانة الإهانة أو التجريح الشخصي إذ شتان ما بين النقد الهادف والتجريح المجاني.

الحياة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.