تركيا وإيران: تنافس تاريخي وتقارب مرحلي
أسقطت زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لإيران قبل أيام بعض الرهانات الخليجية عليه، لخلق اصطفاف تركي – خليجي في مواجهة إيران في المنطقة. ومرد سقوط الرهانات ليس “الحميمية” الواضحة، التي ظهرت بين أردوغان والقيادات الإيرانية، وحلو الكلام الذي فاض على صور اللقاءات والابتسامات المتبادلة، وإنما قراءة تركيا لاتجاهات السياسة الدولية وما استتبع تلك القراءة من توجه إلى تحسين العلاقات مع إيران؛ وليس الاصطفاف في مواجهتها. وبالرغم من ذلك، يبدو أمراً في غير محله توقع أن تركيا وإيران بصدد التحالف إقليمياً، لأن استعراض تاريخ العلاقات بين البلدين يقول بعكس ذلك. كانت المواجهة بين البلدين غالبة على طبيعة العلاقات الثنائية خلال القرون الخمسة الماضية، في حين كانت العلاقات طبيعية في فترات قليلة نسبياً، ولم ترق العلاقات التركية – الإيرانية أبداً إلى مصاف التحالف. تحاول هذه السطور وضع العلاقات التركية – الإيرانية في سياقات متكاملة تاريخية وإقليمية واقتصادية، بحيث تلحظ تكتيكات ومتطلبات اللحظة تركياً وإيرانياً، وفي الوقت نفسه لا تغفل تسليط الضوء على عوامل التشابه والاختلاف بين البلدين الكبيرين؛ ومن ثم تصل في النهاية إلى خلاصات بشأن تداعيات التقارب التركي – الإيراني الحالي على ملفات المشرق العربي.
متطلبات اللحظة تركياً
يمكن النظر لزيارة أردوغان لطهران في سياقات متعددة: استراتيجية واقتصادية وإقليمية وداخلية تركية. وإذا نحّينا حلو الكلام المتبادل بين المسؤولين الأتراك والإيرانيين ومنه قول أردوغان ان “إيران بلدنا الثاني”، وتفحصنا في جوهر العلاقات الثنائية لوجدنا ما هو أكثر من حلاوة التصريحات. تعتمد تركيا إلى حد كبير على كل من إيران وروسيا لتلبية حاجاتها من الطاقة، ويعد تحسين علاقاتها مع إيران بوليصة تأمين ضد ابتزاز روسي محتمل، سبق أن مارسته موسكو في مواجهة أوكرانيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق وحتى الاتحاد الأوروبي. كما أن الجغرافيا التركية هي المعبر الطبيعي لأنابيب النفط والغاز المتوجهة إلى أوروبا، ومنها موارد الطاقة الإيرانية. ولا يمكن لتركيا الحفاظ على وضعيتها كاقتصاد كبير له حصة في الأسواق المجاورة من دون تأمين حاجاته من الطاقة. هنا يكمن الاعتبار الاستراتيجي من المنظور التركي في تحسين العلاقات مع إيران، خصوصاً أن ميزان التجارة بين البلدين بلغ أكثر من عشرين مليار دولار خلال العام المنصرم 2013. وإذا ربطنا اعتبار أن طبيعة الميزان التجاري بين البلدين تتشكل من صادرات مواد طاقة إيرانية في مقابل سلع تركية، لفهمنا المصلحة التركية في تحسين العلاقات. وفوق كل ذلك يفوق الميزان التجاري بين أنقره وطهران مثيله بين تركيا وأي دولة خليجية أخرى، ما يعني أن اصطفاف تركيا في مواجهة إيران لا جدوى اقتصادية فعلية له.
وبخلاف اعتبارات استراتيجيات الطاقة والاعتبارات الاقتصادية، فهناك عامل المحددات الإقليمية في المشرق العربي الدافع لتنسيق تركي – إيراني، خصوصاً بعد سقوط رهانات أردوغان على “الربيع العربي” وجماعة “الإخوان المسلمين” في المنطقة، أو إسقاط النظام السوري وتثبيت نظام موال لأنقرة في مكانه، أو حتى تغيير الأوزان الإقليمية النسبية في العراق. وفي النهاية فمن المرجح أيضاً أن أزمة أردوغان المحلية واتساع الاصطفاف السياسي المناوئ له داخل تركيا يدفعانه إلى محاولة إحراز نجاحات ما في الخارج، بغرض تخفيف الضغط عليه داخلياً. كل هذه الاعتبارات معاً تشكل الإطار العام للدوافع التركية من الزيارة.
متطلبات اللحظة إيرانياً
تتشارك إيران مع تركيا في وجود مصلحة استراتيجية تتعلق بمصادر الطاقة، إذ ان الغالبية الساحقة للصادرات الإيرانية إلى تركيا تتكون من النفط والغاز. تعد تركيا من أكبر المستوردين لموارد الطاقة الإيرانية، واضطرت إلى مبادلة النفط بالذهب عوضاً عن الدولار الأميركي، نظراً للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن على طهران. ولكن المصالح الإيرانية الاقتصادية تتعدى مجرد التبادل التجاري مع تركيا، وتطال مصلحة استراتيجية كبرى تتمثل في الوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر الجغرافيا التركية. ومن شأن وصول مصادر الطاقة الإيرانية إلى الأسواق الأوروبية عبر الأنابيب أن تتحرر أوروبا من الابتزاز الروسي، وأن تتولى إيران تبعاً لذلك مكانة استراتيجية متميزة لدى الاتحاد الأوروبي. تعلم إيران أن أردوغان ليس في أحسن حالاته، وأنه يأتي إليها مضطراً بعد نشر شبكة صواريخ «باتريوت» على الأراضي التركية، والتي اعتبرتها إيران موجهة ضدها. ومع ذلك فلإيران مصلحة كبرى في ترطيب الأجواء مع تركيا، لتقنين ورسم معالم النفوذ الإقليمي بين البلدين في المشرق العربي. وبخلاف ذلك، تولي إيران أهمية كبرى لنجاح مفاوضاتها مع واشنطن حول الملف النووي، التي تضمر في عمقها وبطنها تفاهماً إقليمياً بين إيران وأميركا من شأنه تغيير موازين القوى في المنطقة. ولأن الدول العربية الخليجية تتخوف من نتائج هذا الاتفاق وتعاديه، ولأن إسرائيل تبذل كل ما في وسعها لعرقلته في الكونغرس الأميركي، لا تملك إيران ترف مواجهة تركيا الآن؛ وبالتالي مواجهة الأطراف الإقليمية كلها وفي وقت واحد. ولأن جوهر التقارب الإيراني – الأميركي إقليمي، فليس من مصلحة إيران خلق اصطفاف موضوعي بين الدول الإقليمية النافذة في مواجهتها. كل هذه الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية والإقليمية تبرر إلى حد كبير حلو الكلام الإيراني الوارد على لسان مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي: “الأخوة والمحبة والصداقة الراهنة بين إيران وتركيا منقطعة النظير خلال القرون الأخيرة”.
أوجه التشابه بين تركيا وإيران
كل من تركيا وإيران دولة غير عربية وهما تجاوران العالم العربي، وكلتاهما تملك تاريخاً إمبراطورياً من التمدد في جوارها العربي. تملك تركيا – مثلها في ذلك مثل إيران – كتلة سكانية ضخمة تتفوق على الكتلة البشرية العربية في المشرق العربي. وبالرغم من ذلك تمثل تركيا أقلية مزدوجة في الشرق الأوسط: عرقياً ولغوياً، في حين تشكل إيران أقلية مثلثة: عرقياً ولغوياً وطائفياً. ويلعب وجود الأكراد في كلا البلدين دوراً في إيجاد مشترك آخر بينهما، إذ يتمركز الأكراد في مناطق جغرافية بعينها، في غربي إيران وجنوب شرقي الأناضول في تركيا. وتزداد هواجس كل من تركيا وإيران من حقيقة أن الأكراد لهم امتداد قومي في مناطق الجوار الجغرافي خارج الحدود، وبالتالي عند أي ضعف للدولة يكون خطر التفكك حاضراً بشدة. وهناك تجارب تاريخية ماثلة في الأذهان (جمهورية مهاباد الإيرانية العام 1945 ومعاهدة سيفر التركية – الغربية العام 1920). ومن المشتركات بين كل من تركيا وإيران أن كلا منهما كانت له مشاكل تاريخية وحدودية مع روسيا القيصرية، والاتحاد السوفياتي السابق من بعدها. إذ خسرت كلتاهما أراضي شاسعة لمصلحة روسيا القيصرية في حروب امتدت على مدار القرون الخمسة الأخيرة، وهي الخسارة التي ما انفكت تدمي الذاكرة الوطنية التركية والإيرانية معاً. ولذلك فقد خرجت كلتاهما رابحتين من سقوط الاتحاد السوفياتي كنتيجة للحرب الباردة، على العكس من دول عربية كثيرة. وبخلاف هذه التشابهات الكثيرة فهناك مصلحة مؤكدة لتركيا وإيران، وهي مصلحة ثابتة تجعلهما تتخطيان أقلويتهما في الشرق الأوسط. وتتمثل هذه المصلحة في أن تنحية الغلالة العربية لإقليم الشرق الأوسط، تسهل لهما لعب أدوار قائدة فيه. بمعنى أخر إذا تم ضبط الإيقاع والخطاب في المنطقة على أساس غير قومي، وإنما إسلامي، فسيسهل ذلك الدور القيادي لكل منهما.
نقاط الخلاف بين تركيا وإيران
تحولت إيران من المذهب السني إلى المذهب الشيعي في عصر الصفويين، حتى تختلف عن منافستها تركيا وترفد صراعها الإقليمي معها برافد مذهبي مغاير. وتخبرنا اتفاقات القرون السابقة بين تركيا وإيران حول العراق عن عمق الصراع بينهما، حيث أبرمت إيران الصفوية وإيران القاجارية مع السلطنة العثمانية أربع عشرة معاهدة خلال ثلاثة قرون ذات مساس بالحدود العراقية. تتجه جغرافيا إيران تاريخياً إلى التمدد نحو الغرب، أي العراق وبلاد الشام نزولاً إلى مصر في أقصى تمددها. وفي المقابل تميل جغرافيا تركيا وتاريخ نفوذها إلى التوسع في اتجاهين، الأول نحو الغرب، أي البلقان وأوروبا والثاني نحو الجنوب أي العراق وسوريا ومصر. باختصار يتصادم التوسع الإقليمي لكل من تركيا وإيران تاريخياً في دائرة المشرق العربي، في ما يشبه القانون الطبيعي.
الخلاصة
تبدو الحقيقة التاريخية والجغرافية – السياسية للتنافس الإقليمي بين تركيا وإيران في المشرق العربي، في تمام حضورها راهناً سواء في العراق أو في سوريا، بالرغم من كل حلو الكلام الذي نمقه الجانبان أثناء زيارة أردوغان الأخيرة لطهران. ولأن الجغرافيا وأحكامها لا تتغير، مثلما لا تتبدل دروس التاريخ بسهولة، يبدو أن الإطار الحاكم للعلاقات الصراعية بين البلدين سيظل كامناً وحاضراً، في حين ينوي البلدان مرحلياً رسم خريطة نفوذهما في المشرق العربي بتوافق مشترك، كل لأسبابه ودوافعه الخاصة. باختصار لا تحالف ولا صراع، وإنما هدنة مرحلية!.
السفير

