ميسي وكريستيانو وإبرا.. المتعة الأسبوعية
لاعبو كرة القدم الكبار يتمتعون اليوم بلياقة بدنية أكثر بشكل لا يُقارن بمن سبقوهم. لكن كمالهم يتجاوز المظهر الجسدي. فهذه هي أفضل الأوقات في تاريخ كرة القدم لتصبح نجماً، بعدما أعيدت هيكلة اللعبة لخدمتهم. وعندما تم منح الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم لعام 2013 الأسبوع الماضي لكريستيانو رونالدو من ريال مدريد، كان الحدث أشبه باحتفال جوائز الأوسكار في العصر الذهبي لهوليوود.
في الماضي كان نجم كرة القدم يعيش مثل نجم الروك. كان لديه مشجعون، وكان يتوقّع أن يتراخى جسمه عند سن الـ 30، ولم يكن يجني الثروات: فقد كسب يوزيبيو (الذي توفي يوم الأحد الماضي) نحو أربعة آلاف جنيه في نادي بنفيكا عام 1969. وبالتالي كان معظم النجوم يعيشون على راحتهم. وأن تكون عبقرياً كان يعني أنه ليس عليك العمل بجد. مثلاً، فيرينك بوشكاش في الخمسينيات كان سميناً، وجورج بست في الستينيات كان مدمناً على الكحول، ويوهان كرويف في السبعينيات كان يدخن بلا انقطاع، ودييجو مارادونا في الثمانينيات كان يتعاطى الكوكايين بكثافة. كانت إغراءات النجومية مذهلة والإذعان لها كان تقريباً هو الهدف.
لعب بست، بعد عام 1968، ومارادونا وبيليه خلال معظم مسيرتهم المهنية، مع زملاء عاديين في فرقهم. وغالباً ما تلقّى مارادونا في نابولي تمريرات خلفه – كان يتقبلها بلطف. وقليل من هؤلاء الرجال كانوا يطمحون إلى التألق الأسبوعي. فقد كان بيليه يلعب ألعابا استعراضية لا معنى لها. وبحسب اقتصادي الرياضة، ستيفان زيمانسكي، فازت الأرجنتين خلال أوج تألق مارادونا في الثمانينيات بـ 35 في المائة فقط من مبارياتها، أي أقل مما فعلت في أي عقد آخر.

إبراهيموفيتش سابحا في الهواء بقميص منتخب السويد.
وتشهد الملاعب أحيانا حالات من العنف واللعب الخشن. ففي عام 1966 خرج بيليه وهو يعرج من كأس العالم. وفي عام 1983 تم سحق كاحل مارادونا من قبل المدافع أندوني جويكوتشيا (جزار بلباو). وفي عام 1992 انتهت مسيرة ماركو فان باستن عملياً بسبب الإصابة وهو في الـ 28 من العمر.
والذي حوّل مصير النجوم هو التلفزيون. فقبل التسعينيات كان قليل من المباريات يتم بثها على التلفزيون. وربما يكون المعجب الأوروبي شاهد بيليه يلعب ربما عشر مرات خلال مسيرته، سواء على التلفزيون أو في الاستاد. ثم جاء روبرت ميردوخ وسيلفيو برلوسكوني وأنشآ قنوات تلفزيونية لكرة القدم. وأصبح النجوم الآن محتوى للتلفزيون، وبالتالي احتاجوا للحماية. وقررت سلطات كرة القدم اتخاذ إجراءات صارمة ضد الأخطاء وشددت العقوبة على العرقلة من الخلف. واليوم يحصل ليونيل ميسي على ركلة حرة تقريباً في كل مرة يتم لمسه فيها.
كذلك التلفزيون جعل الأندية الكبيرة غنية. وأصبح عدد قليل للغاية من الأندية الغنية يحتكر أفضل اللاعبين. فقد انضم ميسي إلى نادي برشلونه عندما كان عمره 13 عاماً، وأمضى كامل مسيرته المهنية هناك يلعب مع زملاء ممتازين في الفريق. وتستطيع أن تدرك المساعدة الكبيرة التي جناها ميسي من ذلك عندما تشاهده يناضل جنباً إلى جنب مع زملاء أقل شأناً منه مع منتخب الأرجنتين.
لقد عقدت الأندية الكبيرة اتفاقاً جديداً مع النجوم خلاصته: سندفع لك ثروة إذا عشت مثل المحترفين. ويقول إبراهيموفيتش، إذا كانت لديك موهبته، يصبح النجاح بالنسبة لك خيارا: عليك فقط أن تختاره وتعمل من أجله، ونجوم اليوم يفعلون ذلك.
والمثال الأبرز هو كريستيانو رونالدو، فلاعبو كرة القدم الذين بمثل بنيته، مع نسب عالية من ألياف عضلات الركض سريعة التضرر، يميلون للانهيار مبكراً. وقد حصل ذلك لنجوم التسعينيات رونالدو (البرازيلي) ومايكل أوين. لكن من خلال التمرين والحمية الغذائية المتواصلين، غلّف كريستيانو نفسه بالصلب. فبعد العودة من مباراة في الخارج، يقوم أحياناً بأخذ حمام جليدي في الساعة الخامسة صباحاً. وهو متغطرس لأنه يعتقد، على حق، أنه صنع نفسه بالعمل الجاد. وحالياً مدريد مزيّنة بملصقات له بارتفاع 19 متراً. إنها حملة إعلانية لم يفكر أحد قط أن تكون مادتها دييجو مارادونا.
ونادراً ما يتعرض نجوم اليوم للإصابة. فهم مجهزون لإنتاج العبقرية مرتين أسبوعياً تقريباً إلى الأبد. وعلى مدى خمسة أعوام تقريبا، كان معدل رونالدو من الأهداف في كل مباراة مع ريال مدريد أكثر من هدف واحد، وهي أعلى نسبة في تاريخ كرة القدم الإسبانية. وفي عام 2012، أحرز ميسي عددا لم يسبق له مثيل من الأهداف، وهو 91 هدفاً.
إن عظمة نجوم اليوم يمكن أن تبدو تلقائية. فقد قال مدير آرسنال، أرسين فينجر، إن ميسي “مثل البلاي ستيشن”، نوع من لعبة كمبيوتر بشرية. لقد ضاع شيء ما في العملية. قدّم مارادونا مشهداً مذهلاً لنضال لاعب كرة القدم مع الرجل الذي بداخله. ويقدّم ميسي عبقرياً محترفاً لا يشق له غبار، كما لو أن كلود مونيه وقّع عقداً لإنتاج تحف فنية مرتين أسبوعياً.
وميسي نابغة مثل مونيه، لكن عبقرية ميسي أسهل بالنسبة لمعظم الناس من حيث تقديرها. فهو يعطي مشتركي التلفزيون في كل مكان لمحة لشيء أعلى. ولوضع ما كتبه نيكو سكيبميكر، كاتب سيرة كرويف، بعبارة أخرى، فإن حياتنا اليوم غنية وماتعة أكثر مما قد تكون عليه من دون ميسي، ورونالدو وإبراهيموفيتش. وندين بهذه السعادة اليومية كثيراً إلى ميردوخ وبرلسكوني.

