سياسات الغرب عملت على عودة الجهاديين وتقوية شوكتهم
منذ أن اتخذ الفصل السوري من الصحوة العربية شكل ثورة مسلحة ضد طغيان الأسد، لجأ أغلب المسؤولين الغربيين إلى الجملة الشرطية التالية لتفسير سياستهم المفضلة تجاه سورية: “إذا تدخلنا فإننا بذلك نحرض على تفكك سورية وانبعاث القاعدة من جديد”. وها نحن الآن، وقد مرت ثلاث سنوات على هذا الصراع، نشهد وقوف أوروبا والولايات المتحدة في الصفوف الخلفية وهما تتفرجان على مجموعات القاعدة الجديدة وهي تجتاح وتدمر في شمالي سورية وشرقيها وفي غربي العراق.
وفي الوقت الذي تنفجر فيه سورية يستمر العراق في انهياره وتفككه من الداخل. وتحاول دولة الإسلام في بلاد العراق والشام “داعش”، وهي مجموعة منبثقة من القاعدة، تأسيس إمارة عابرة للحدود، بمعنى أن تكون أفغانستان أخرى في بلاد الشام. كيف استطاعت هذه العصابات الجوالة التي جاءت من عصر مضى عليه الآن أكثر من ألف سنة أن تشق طريقها وتعود من جديد بعد أن بددت بطريقة وحشية فرصتها التي قدمها لها الاجتياح الأنجلو – أمريكي للعراق عام 2003، والذي لم يكن نتيجة استفزازات؟
من المعروف أن الجهاديين المتطرفين من ذوي الصلات الدولية يزدهرون في الدول الفاشلة، أو التي على وشك الفشل، مثل أفغانستان والصومال واليمن، أو في المناطق غير المحكومة، من الساحل الإفريقي إلى جبال القوقاز، أو منطقة الجزيرة، المعقل القوي لداعش الواقع في الأراضي الشمالية بين نهري دجلة والفرات في العراق. أما العدوان الخارجي كما هو في العراق، أو الشيشان، أو البوسنة، فهو عادة ما يكون محفزاً حيوياً لها وعاملاً على جذب الجهاديين بأعلامهم السوداء. وقد أطلق اجتياح أمريكا للعراق ما بدا هجوماً ناجحاً ضد القوات الأمريكية في قلب المناطق السنية في مقاطعة الأنبار غربي العراق.
لكن القاعدة دمرت نفسها بنفسها في الوقت الذي أعطى فيه أبو مصعب الزرقاوي، القائد السني المحلي المؤمن بتفوقه والمتعطش للدماء، الأولوية لذبح الشيعة من عبدة الأوثان، وهم أقلية في الإسلام لكنهم أكثرية في العراق، وأرهب القبائل السنية للدخول معه ودفعها للتمرد في العراق. ومع ذلك عادت داعش ثانية إلى الأنبار، واستولت على مدينتي الفلوجة والرمادي، وكانت في أغلب أيام السنة الماضية تدير عبر الحدود الحرب ضد الأسد في سورية. وليس من الصعب رؤية السبب في ذلك.
فالدول الغربية التي كانت عازمة على إسقاط الرئيس بشار الأسد رفضت تزويد الثوار العاديين بالوسائل التي تمكنهم من مواجهة آلة القتل التي يمتلكها النظام. تركوا التوريد الخارجي لهؤلاء الثوار لحلفائهم، بينما أصبحت تركيا الحليف في الناتو طريقاً للمتطوعين الجهاديين إلى سورية. وفي العراق عمل نوري المالكي، الإسلامي الشيعي المحسوب سابقاً على الولايات المتحدة، على فتح الأبواب أمام الجهاديين بعد أن اضطهد الأقلية السنية في العراق، واتبع سياسة تعمل على تطهير قادتهم. كذلك عمل رئيس الوزراء من خلال نظرته الضيقة والطائفية تجاه مستقبل العراق، على تمزيق الاتفاق حول المشاركة في الحكم، وهو الشرط الأساسي لوجود حكم ابتداءً. ويواجه صنّاع السياسة الغربيون لغزاً محيراً. فقد ساعد ذهابهم للعراق في تقديم قاعدة للجهاديين هناك، ومساعدتهم لزعيم طائفي مثل المالكي أدت إلى عودة السنة لمساندة رغبات المتطرفين اليائسين من الجهاديين.
لكن بقاء الغرب خارج سورية، بينما يستمر شيعة إيران وحلفاؤهم في نجدة الأسد، كان هدية جاءت من السماء للجهاديين. هاتان السياستان ساعدتا على إعادة جذوة الانقسام الذي يعود إلى عدة قرون بين السنة والشيعة، وترك النيران تشتعل لتلتهم المنطقة بأكملها.
ومن حسن الحظ تتميز داعش، مثلها مثل الزرقاوي، بأنها متطرفة إلى درجة كافية لتدمير نفسها. وفي الأيام الأخيرة بدأت مجموعات من الثوار الإسلاميين التابعين للائتلاف السوري الموحد بضرب داعش، بينما تولت ميليشيات تابعة لقبائل سنية في الأنبار ملاحقتهم. لكن هذا التحول في المسارات غير مضمون النتائج. فكل ما يريده الذين يقاتلون داعش هو الحصول على وسائل لقتال الأسد والبقاء في الوقت نفسه معارضين أشداء في مواجهة أهداف المالكي الرامية إلى استقطاب القوة والموارد في العراق. لكن الحظ لا يعتبر سياسة.
ومن المهم أن نتذكر أن تهديدات القاعدة الصاخبة تخفي وراءها سلسلة طويلة من الأعمال الفاشلة. فمع وحشيتهم وشموليتهم واحتقارهم للهويات المحلية، لا يقدم الجهاديون حلاً لمشكلات العالم العربي. على السياسات أن تركز بدرجة أقل على الجهاديين وتركز أكثر على الظروف التي جاءت بهم، المتمثلة في الفرص المواتية التي أتاحها الغرب وحلفاؤه لهم. لنأخذ مثالاً على ذلك: مصر، تساعد السياسة الأمريكية المساندة للحركة العسكرية المصرية التي ركبت موجة شعبية بعد إقصاء حكومة إسلامية منتخبة ودفعت بالإخوان المسلمين للعمل تحت الأرض، على استعادة الدولة الأمنية، لكنها لا تساعد في إعادة تأسيس الأمن في مناطق بعيدة عن سيطرة الحكومة، مثل شبه جزيرة سيناء. وهذه وصفة مضمونة لإثارة الإرهاب الذي تقول الدولة إنها تقاومه، وفرصة أخرى لعمل الجهاديين العابرين للحدود
فاينانشال تايمز

