صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الإسقاط الديموقراطي والسلمي لرجب طيِّب أردوغان سيكون انتصاراً لـ’النموذج التركي’

0

كمهتمٍّ مزمن بالشأن التركي، أجادل منذ بضع سنوات في العديد من مقالاتي، وتحديداً منذ العام 2010 أن الديموقراطية التركية باتت تحتاج إلى بدء مرحلة “ما بعد حزب العدالة والتنمية” لأن استئثاره بالسلطة أصبح عبئا على تطوّر الديموقراطية التركية بعد أن كان هذا الحزب قوة طليعيّة في النجاح التركي التحديثي الاقتصادي والسياسي…

كل سلطة سياسية لفرد أو حزب، حتى في الديموقراطيات بل لاسيما في الديموقراطيات، تمتدّ زمنيا فترة طويلة، تَفْسُد بذاتها.
ترسّخت قناعتي هذه مع بدء تحوّل السياسة التركية إلى المصدر الميداني الأول والأخطر والأكثر أذىً لعسكرة الثورة السورية منذ أواخر العام 2011، وتأكّدت هذه القناعة، إلى جانب كثيرين في تركيا والغرب، منذ اندلعت مظاهرات “حديقة جيزي” في ساحة تقسيم أوائل صيف 2013.
تقتضي هذه المقدمة توضيحا لا بدّ منه لفهم وجهة النظر هذه: فموقفي المشار إليه ينطلق من معادلة اساسية هي أن “النموذج التركي” ليس مرتبطا بتجربة “حزب العدالة والتنمية” بل هو سابقٌ عليها و مواكِبٌ لها، ولا بد أن يكون لاحقاً عليها. “النموذج” هو الذي ولّد الحزب وليس الحزب هو الذي ولّد “النموذج”. وهذا اختلاف أساسي عن الموقف الذي ساد في العالم العربي، وخصوصا بعد بدء موجات “الربيع العربي”، والذي اعتبر “النموذج التركي” مرتبطا فقط بوجود “حزب إسلامي” في السلطة هو “حزب العدالة والتنمية”. “النموذج التركي” إذا كان نموذجا فلأنه يسمح في بلد مسلم كبير بتداول السلطة وإدارة اقتصاد ناجح. للتكرار: النظام العلماني التركي رغم كل عيوبه هو الذي أتى بـ”حزب العدالة والتنمية” وليس العكس.
لكل ما سبق صار يجب اختبار الحداثة السياسية والاقتصادية التركية بمدى وكيفيّة قدرتها على تخطّي تجربة “حزب العدالة والتنمية” وجعله من الماضي فيما تتقدّم ويجب أن تتقدم الديموقراطية التركية في البلد المسلم الوحيد حاليا، في الشرق الاوسط على الاقل، الذي يحمل إمكان نجاح علاقة مجتمع مسلم بالحداثة.
هذا ما بدأ يحصل بشكلٍ متسارع في العام 2013. وإذا كنا نشهد حاليا على الارجح بداية نهاية عهد رجب طيِّب أردوغان بعدما بلغ تآكلُ هذا العهد داخليا وخارجيا وربما لاحقا اقتصاديا درجة كبيرة (حتى أن أحد الوزراء في حكومته، وزير البيئة والتخطيط المدني، استقال ودعاه إلى الاستقالة بدوره)… إذا كان الأمر كذلك، فسيكون علينا في العام 2014 أن نراقب من هو بديل أردوغان من داخل هذا الحزب (عبدالله غول؟) والأهم من هي القوة البديلة لتحل مكان “العدالة والتنمية” في السنوات المقبلة؟
إذا تمكّنت تركيا من تأكيد القدرة السلمية والديموقراطية على تبادل السلطة وحافظت معها على الصعود الاقتصادي التصنيعي والخدماتي فعندها سيتكرّس أكثر “النموذج التركي”.
لهذا نشاهد اليوم في تركيا:
1 – حالة جديدة من حيث تحوّل قوة طليعية أقصت الوصاية العسكرية على الحياة السياسية إلى قوة رجعية هي حالة قيادة أردوغان وحزبه، ومن حيث ان البلد صار يحتاج إلى عقلية جديدة تدير شؤون القوى الاجتماعية الشابة الصاعدة في السنوات العشر الاخيرة مثلما قيل عام 1968 أن طلاب “ربيع باريس” هم “أبناء” مرحلة رئاسة شارل ديغول الذين ارادوا الخلاص من هذه الأبوّة لرسم فرنسا جديدة. كان “الحزب الاشتراكي” الموحّد تحت زعامة فرانسوا ميتران والمتحالف مع الحزب الشيوعي هو القوة البديلة. فمن ستكون القوة البديلة التركية وهل سيستطيع حزب عتيق وعريق إنما بقيادة جديدة هو “حزب الشعب الجمهوري” أن يلعب هذا الدور أم أن قوة جديدة ستظهر في العام 2014 ؟ (هناك مرشح شاب عن “حزب الشعب الجمهوري” لانتخابات بلدية اسطنبول يجب مراقبة صعوده السياسي مع التذكير ان رجب طيّب اردوغان بدأ زعامته من رئاسة بلدية – بلديات اسطنبول).
2 – حالة شبه انهيار في السياسة الخارجية التي قامت عليها تجربة “حزب العدالة والتنمية” وخصوصا في سوريا حيث باتت تركيا حتى إشعارٍ آخر حليفة وداعمة تيّاراتٍ جهاديةٍ متشدّدة ناهيك عن انخراطها في المعركة المذهبية كقوة سنّيّة كما يأخذ على أردوغان عددٌ من المعلِّقين البارزين في الصحافة التركية مما أفقد “النموذج التركي” أحد عناصر قوّته كحالة تحديثية غير مذهبية الاستقطاب في المنطقة وجعل تركيا قوة تعبئة طائفية مثل إيران وبعض الدول العربية ناهيك عن التورّط الأردوغاني المستجد بالعداء الحاد مع مصر على غرار خمسينات القرن الماضي ضد الرئيس جمال عبد الناصر.
3 – فشل حقيقي في حل المسألة الكردية واستبداله بتحالف اقتصادي مع إقليم كردستان العراق يهدّد العلاقة مع بغداد ولا ترتاح إليه واشنطن (ظاهرا على الاقل). إلى جانب هذا الفشل تفاقُمٌ خطِرٌ في موضوع العلويين الأتراك حيال الطابع المذهبي للسلطة.
أحيانا يبدو التداخل معقَّداً بين جميع هذه العناصر التي تتضمّنها النقاط الثلاث إلى حد، مثلا، السؤال كيف يمكن تفسير المعلومة شبه المؤكّدة أن الشباب الخمسة الذي قتلوا على يد الشرطة في تظاهرات الصيف الماضي خلال أزمة “ساحة تقسيم” هم من العلويين؟ هل هذا مؤشِّر على كثافة مشاركة العلويين الأتراك في تلك الأحداث أم على استهداف طائفي ما؟ كل هذا مع تجدّد الحديث عن دور اميركي ضد أردوغان عزّزته قيادة حركة غولن، الحليف الإسلامي السابق لـ”حزب العدالة والتنمية”، في توجيه أكبرضربة حتى اليوم لسلطة هذا الحزب ومصداقيّته الأخلاقية معا؟
قيادة أردوغان هي المريضة لا تركيا.

النهار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.