علاقة الفكر بالسلطة
إن علاقة الفكر بالسلطة القائمة هي أهم العلاقات التي قد يدخل فيها الفكر، نظراً لأن الفكر هو تحليل الواقع. وأن المفكر هو الشاهد عليه، وبالتالي كانت السلطة في فترات معينة من تاريخ الإنسانية حين تفتقر إلى شرعية كافية تنظر إلى الفكر على أنه خصيمها الأول، وتجعل مهمتها الأولى القضاء على استقلال الفكر وشراء المثقفين. فالفكر هو المناهض للسلطة، الدافع لحركات الواقع، المحرك للتاريخ. وطالما صرخ الأباطرة: لقد هزم القلم السيف. ولكننا في فكرنا القومي نلاحظ دائماً «التبعية لا الريادة». فدون الذهاب إلى الماضي البعيد في أيام مصر القديمة، وتبعية الشعب لفرعون وتأليهه واعتباره مصدر الإلهام والخير، ودون الرجوع إلى الطبيعة وجعل الشعب هبة النيل، يعيش عليه، ويتبعه في فيضانه وتحاريقه، يكفينا سبر غور واقعنا الحديث وأساسه النفسي الاجتماعي في اللحظة التاريخية الحديثة، فنجد أن الفكر تابع للسلطة وليس رائداً لها، فالسلطة تبدأ والفكر يتبع، وإن شئنا أن نكون أقل تجريداً قلنا الحكم يبدأ والمفكرون يتبعون، السلطان يأمر والعلماء يباركون، الملك يصدر والقضاة يشرعون. واتهم كل فكر يبدأ ولا يتبع بأنه فكر تحوم حوله الشبهات، وتلصق عليه لافتات العمالة والخيانة أو الطفولة والتطرف، والمجتمع أصيل شريف، معتدل وناضج! ولا يقتصر الأمر على مظاهر التبعية الخارجية من فرض الرقابة على الصحف وعلى سائر وسائل الإعلام، وضعاً أو رفعاً ولكن تعدى الأمر إلى شعورنا القومي حتى فقد القدرة على كسر النطاق، وأخذ زمام المبادرة، وتحليل الواقع بصرف النظر عن موجهات السلطة. وقد ساعد الفقر على ذلك، واحتار المفكر بين الحق والرغيف وتغاضى عن الحق، فالناس يعيشون أولاً ويفكرون ثانية إلا أشخاص استثنائيون، وليس كل الناس كذلك. فإذا ما تحول هذا الرغيف إلى أرغفة متنوعة المذاق وصحبة الشواء والمكان المرموق ومركز الصدارة يتوارى الحق كلياً فيتحول الفكر إلى تجارة ويصبح الكلام كما يقول أحد شعرائنا المعاصرين «زيف المفردات». ثم يفرض الشعور القومي على نفسه رقابة داخلية حتى فيما هو خارج عن وسائل الإعلام، في الجامعات والجمعيات العلمية والندوات الثقافية وأصبح شعورنا في حاجة إلى رائد كمشجب يعلق نفسه عليه، ونشأت بيننا وظيفة الموظف «الأيديولوجي» أو «مفكر السلطة» أو «داعية النظام» وهو المفكر الرسمي للنظام، المبشر بفلسفته، والمبرر لأخطائه مثل «المبلغ» في المسجد الذي يتبع الإمام بصوته حتى يسمعه باقي المصلين فيتبعون! وشيئاً فشيئاً يتم تقديم الزعيم على أنه هو المعلم والقائد، والزعيم الخالد، الوحيد الملهم، كما كان الحال في تراثنا القديم عندما أعطى فلاسفتنا هذه السمات لرئيس المدينة الفاضلة، الرئيس الملهم، المعصوم من الخطأ، والذي يأمر فيُطاع! أصبح هناك فتق بين الفكر ومضمونه، بين العبارة والحقيقة حتى لم تعد هناك حقيقة. فالحقيقة ما تقرره السلطة، والفكر هو صياغة لها. فإذا تغيرت السلطة تغيرت الحقيقة وتغيرت الصيغ والأحكام. ولما كان المفكرون يعيشون ويتعيّشون فقد تكاثر عارضو الخدمات، اشتد الزحام، فترفعت السلطة، وأصبح اختيارها لأحدهم منة عليه وشرفاً له يحسده عليه الآخرون، واصطف الباقي في قوائم الانتظار. وتتوالى الأنظمة، ويتوارى الزعماء، وكل منهم يلغي من قبله، وتبدأ من جديد حتى ضاعت مع الاتصال في حياتنا القومية، وأصبح كل يوم لدينا ثورة، وفي كل شهر لنا «عيد»، وفي كل فترة لنا صحوة، وكنا قبلها غفلًا نياماً. ولكن الشيء الدائم هو التبعية للسلطة كسلوك دائم. حتى لو أيد مفكر قرارات السلطة عن صواب وبصدق فإن الجماهير لن تصدقه نظراً لتعودها على تبعية المفكرين، كما لو كذب الغريق مرات على الجماهير ثم غرق مرة بحق فإنه لن يصدقه أحد. ولو نقد مفكر السلطة عن باطل وبادعاء فقد تصدقه الجماهير لأنها قد رأت فيه بطلاً رائداً.
ولما كانت طبائع الأشياء هي الغالبة فإنه من المحتمل أن يحدث صراع بين الفكر والسلطة حتى ولو من مفكر واحد أو من أقلية لا تعدم الطبيعة وجودها. ولكن في حياتنا المعاصرة إذا اختلف الرأي مع السلطة ضاع الرأي وثبتت السلطة حتى ولو كان صاحب الرأي ذخيرة وطنية يشهد له بالمهارة الفنية وببراعة التحليل. ولكن إذا خرج الفكر مرة عن التبعية للسلطة فجزاؤه الاستبعاد.

