«الفساد» و«صراع الحيتان» آخر تجليات «الاستدارة» الرسمية عن الإصلاح
رغم اختلاف مواقفها من «ربيع العرب»، لا تختلف المعارضة في تشخيص استعصاء برنامج الإصلاح محلياً، فملامح ما تصفه بالاستدارة الرسمية عن الاستجابة لمطالب تعزيز الديموقراطية واضحة،
إذ إن إقصاء الاصلاحيين عن مؤسسات الدولة وانتكاس الحريات العامة بعودة الاعتقالات واستئناف محاكمات «أمن الدولة» وملاحقة الحراكيين الى جانب تغير الخطاب الرسمي لجهة التقليل من اولوية الديموقراطية كلها قرائن برأيها تؤكد ان مطبخ القرار تجاوز ضغوط «الربيع العربي». هذا التوصيف قريب بالفعل من الحقيقة، فلا تكاد ترى من يماري في ذلك بالأردن حتى في معسكر الموالاة، وان كان الحديث لدى هؤلاء يأتي في باب ضرورة التدرج وتهيئة المجتمع واستخلاص الدروس مما جرى ويجري في أكثر من بلد عربي.
ولا يخفي بعض المشتغلين بالشأن العام مخاوفهم من ذهاب تيار الشد العكسي الذي يعيش أقوى فترات نفوذه الى ابعد من ذلك بالدفع لتنفيذ ثورة مضادة تسعى لإعادة فرض منطق الترهيب الذي تكسَّر بفعل رياح الحرية ومحاولة إغلاق نوافذ الأمل وخفض سقف توقعات الناس، ودفع بعض القوى السياسية إلى القبول ببرنامج احتوائها في المنظومة الأمنية الحاكمة، ومحاولة الالتفاف على ارتفاع مستوى وعي الناس بحقوقهم.
وسواء حصل هذا أم لم يحصل، فإن ما هو مؤكد أن حسابات الشارع سقطت بالفعل من وعي اصحاب القرار، ولا أدل على ذلك من مضي برنامج معالجة الأزمة الاقتصادية الحادة على حساب جيوب المواطنين أو ما تصفه المعارضة بمشروع «إفقار الأردنيين»، دون تحسب لردات الفعل الشعبية.
عملياً فقد أذكى «الربيع العربي» حراك الشعوب للمطالبة بحريتها، لكنه في ذات الوقت وحد الممسكين بالسلطة لاستشعارهم بالخطر المحدق. الأمر تغير الان، فقد هدأت العاصفة وعاد «المارد الشعبي» الى قمقمه، وعليه فقد «رجع الفساد ليطل برأسه وعاد أرباب السلطة الى الصراع لاقتسام الكعكة ومتابعة امتصاص خيرات الوطن»، برأي المعارضة.
في كل العالم يقترن مستوى الشفافية والنزاهة بمستوى الديموقراطية والحرية ومدى تمكين منظومة الرقابة الشعبية على السلطة التنفيذية، ولذلك فلا أمل بتحقيق شق الاقتران الأول في ظل تردي الثاني.
عودة الصراعات بين القوى النافذة واستهانة المسؤولين بإرادة المواطنين وزوال حالة الترقب السابقة يؤكد أن السلطة تعيش حالة استرخاء، وهو الامر الذي ينذر بزيادة شهية الطامحين والفاسدين وأصحاب الاجندات الخاصة.
وهكذا، فسنعود من الآن فصاعداً الى مسلسل «صراع الحيتان»، ونبدأ بمعاينة تضخم «غول» الفساد بسبب الاستخفاف الرسمي بقدرة الشعب على المحاسبة.
يترافق مع ذلك انفجار الصراعات في معسكر المعارضة لاختلاف مواقفها إزاء مما يجري في سوريا ومصر وغيرها من دول «الربيع العربي» أولاً ولأن برنامجها في الضغط لإصلاح السلطة فشل، بصرف النظر عن الأسباب.
الغريب في أمر الربيع أن الآمال بانتهاء الاستبداد والفساد جمعت المعارضة نسبياً على اختلاف اطيافها –وهذا ينطبق على دول اخرى- في محاولتها للتغيير ولكنها الآن وقد انقلب الحال وباتت هباءً في عيون خصومها تنشغل في خلافات تحيل الجهد الجماعي الى محصلة تقارب الصفر.
انقشعت مخاوف الربيع فعاد الفساد وعادت الصراعات الى النخب، في معسكر الموالاة لاقتسام الغنائم وفي معسكر المعارضة لاقتسام الهزائم. وفي النتيجة فقد فقد الشارع الاردني الأمل في التغيير.

