صحيفة الكترونية اردنية شاملة

خطاب القوى المدنية يحتاج إلى مراجعة

0

الخطاب السياسى والإعلامى للتيارات المدنية المصرية كان سلبيا وممزق الثوب وخاصة بعد ثورة 25 يناير.. ولم تفلح هذه القوى فى تصويب خطابها أو تصحيحه لأنها منشغلة باستمرار بالمواجهة مع الإسلاميين دون أن تتفكر لحظة فى مراجعة نفسها أو تطوير أفكارها.. فى الوقت الذى لا تكف عن مطالبة الإسلاميين بالمراجعة.

ويمكننى اختصار سلبيات الخطاب السياسى والإعلامى للقوى المدنية بشعبها المختلفة الليبرالية والاشتراكية واليسارية فى الآتى:

1 ـ احتكار الوطنية:

فهم يتحدثون عن الوطنية وكأن الله قد اختصهم بها دون سواهم.. ليقعوا فى نفس الخطأ الذى وقع فيه بعض الإسلاميين الذين يتحدثون عن الإسلام وكأنهم قد احتكروه دون سائر المسلمين.

وفى حقيقة الأمر فإن أكثر عوام المصريين قد يكونون أكثر وطنية وإسلاما وتجردا وإخلاصا من الطرفين.. إن بعض أقطاب التيارات المدنية لم يقدموا لأوطانهم وللمصريين شيئا إن لم يكونوا قد استفادوا من الوطن دون وجه حق.. وبعضهم لم يقدم صك التضحية للوطن طوال عمره رغم احتكاره المستمر لشعاراتها وهتافاتها.

2 ـ الانفصال المعيب بين الخطاب والواقع:

فخطاب بعضهم عن العدالة الاجتماعية لا يؤيده واقع حياتهم على الأرض.. فقد تجد الاشتراكى أو اليسارى مليونيرا أو مليارديرا ولم يؤثر عنه يوما رحمة أو شفقة بالفقراء واليتامى والمساكين ولم يشارك فى أى مشروع خيرى.. وقد يتحايل على الضرائب أو يحاول قدر الإمكان التهرب من مسئولياته تجاه وطنه وشعبه.. وقد يتعامل مع الفقراء باستعلاء أعظم من استعلاء الرأسمالى بكثير.. وقد تجد الليبرالى الذى يصدع الكون بمبادئ الليبرالية يؤيد دوما الممارسات الاستبدادية أو القمعية ويؤيد إقصاء الآخرين ظلما وعدوانا دون أن تهتز له شعرة.

3 ـ غياب المشروع:

فإذا طلبت من أى حزب مدنى أو قوة سياسية مدنية أى مشروع اقتصادى أو زراعى أو رياضى أو شبابى أو استثمارى أو تنموى متكامل فلن تجد مثل هذا المشروع.. وذلك لأن كل هذه القوى والأحزاب أنفقت معظم وقتها فى حرب وعداوة الإسلاميين.. وصدق من قال عن بعضهم «إن كراهيتهم للإخوان أكثر من حبهم لمصر».

وصدق د. فؤاد زكريا الذى حاول مراجعة مسار التيارات المدنية فقال: «ليس لدينا الآن مشروع وطنى سوى هدم مشروع الإسلاميين وإثبات فشله».

4 ـ القفز من نقد الإسلاميين إلى فقد الإسلام:

فالإسلام معصوم والإسلامى والإسلاميون غير معصومين.. ويجوز نقد الإسلاميين بالحق والصدق.. ولكن لا يجوز نقد الإسلام المعصوم.. وهناك حالة من التجاوز من هذه لتلك.. والقفز من النقد المباح للإسلاميين إلى نقد تعاليم الإسلام نفسها.. أو عدم اعتبار الدين مصدرا للقيم الأساسية فى المجتمع.. وخاصة ثوابت الشريعة التى لا تقبل التغيير.

5 ـ الخطاب الإقصائى:

مع أن أهم أفكار التيار المدنى هى المشاركة وعدم الإقصاء.. ولكن واقع الخطاب السياسى والإعلامى المدنى يصطدم مع هذه الفرضية.. فهو لا يستطيع أن يحيا ويزدهر إلا فى غياب الآخر الإسلامى أو بعد إقصائه.. والبعض يتشدد مع الإسلاميين فيطالب بتعميم العقاب عليهم.. أو يصف تيارهم العام والواسع بالإرهاب.. وينسى أن أول مبادئ القانون هو شخصية العقوبة.

وبعضهم لا يكتفى بإقصاء الآخر الإسلامى فى ميدان السياسية والمناصب.. ولكنه يقصيه أيضا من ساحات الفكر والثقافة والشعر والإبداع ويعتبر هؤلاء أنفسهم أنهم الوحيدون الذين نزل عليهم وحى الفكر والإبداع والثقافة دون سواهم.

والمتأمل لتاريخ مصر الحديث سيجد أنه لم يحصل أى مفكر أو مبدع إسلامى على أى جائزة رغم استحقاق الكثيرين منهم.. حتى العقاد كان يقول: «إذا وقعوا فى محنة أو مشكلة قالوا اكتب يا عقاد وإذا جاءت الجوائز ذهبت إلى طه حسين».

فأمثال العقاد ومحمود شاكر وطارق البشرى والمسيرى والرافعى أنكرهم قومهم وجحدوهم حتى أن المسيرى رفضت وزارة الثقافة علاجه على نفقة الدولة.

8 ـ غياب الزعيم السياسى الحقيقى:

بالرغم من طول عمر التجمعات والأحزاب السياسية المدنية فإنها لم تخرج لنا حتى اليوم زعيما سياسيا حقيقيا يقنع الشعب المصرى بزعامته ويملأ الفراغ السياسى المصرى.. فاليسار إلى وقت قريب كان معتمدا على زعامة تاريخية عسكرية الأصل منذ الخمسينيات وهى خالد محيى الدين ولم يخرج زعامة أخرى تضاهيه.. والوفد ظل معتمدا إلى اليوم على زعامات الأربعينيات والخمسينيات المتمثلة فى فؤاد سراج الدين الذى لم يملأ فراغه أحد حتى اليوم.. والاشتراكية لم تخرج حتى اليوم شخصية طاهرة ونقية مثل إبراهيم شكرى الذى كان يجمع بين الفكر الإسلامى والاشتراكى جمعا صحيحا.

فكل هذه الأحزاب والتجمعات السياسية المدنية فشلت فى إيجاد زعامة سياسية شعبية حقيقية مثل: مصطفى كامل أو محمد فريد أو سعد زغلول.. وكل الذين يحتلون مقاعد القيادة فى هذه التيارات هم من معمرى السياسة الذين انتهت خدمتهم وصلاحيتهم وودعوا الهمة والنشاط والمرونة والحيوية والفاعلية الشعبية.. وهم يفتقدون الرصيد الاستراتيجى الذى يعتمد على الشعب عامة والشباب خاصة.. ولا يستطيعون تحريك الشارع المصرى فضلا عن إقناعه بأطروحاتهم.. ولذلك تجد الصراع يدور دوما بين الجيش والإخوان منذ الخمسينيات وحتى الآن.

أما القوى السياسية المدنية فتنضم دوما إلى صف الجيش نكاية فى الإخوان من جهة واطمئنانا إلى أن الجيش لن يقصيها مثل الطرف الإسلامى أو أنه أقرب إليها منه حتى لو ظلمها.

9 ـ إقصاء القوى المدنية لبعضها البعض:

إقصاء القوى المدنية للإسلاميين عامة والإخوان خاصة قد يكون مبررا لاختلاف الفكر والأيديولوجيا.. أو لأن الآخر الإسلامى يفعل معها ذلك.. ولكن الغريب والعجيب فى دنيا السياسة المصرية.. أن القوى السياسية المدنية وأشخاصها وزعاماتها يقصى بعضها بعضا فى كثير من الأحيان.. ولولا وصول الإخوان للسلطة ما توحد التيار المدنى من قمة يساره إلى يمينه.. حتى إذا زال حكم د.مرسى والإخوان عاد الاختلاف والشقاق مرة أخرى.. فإذا بحزب الدستور الذى أسسه د.البرادعى والذى كان يعد نفسه لخلافة الإخوان فى الحكم يتمزق ويستقيل منه معظم قياداته الفاعلة.. وكأنه يقول لقد مضى الخصم وانتهى حكمه فلماذا التوحد.

ويمكن أن ترى ذلك فى معظم هذه الأحزاب إذا يشغل قادتها دوما الصراع على المغانم والسلطة قبل خدمة الوطن والمواطن.. وينشغل كل قائد فيها بإقصاء الآخر الذى ينافسه.. وخاصة بعد الإطاحة بالخصم الأكبر للجميع وهو الإخوان.

10 ـ عدم استلهام الفكرة الإسلامية الوسطية:

فلم يحسن التيار اليسارى والاشتراكى المصرى تطوير نفسه بحيث يستلهم الفكرة الإسلامية الوسطية كأساس لحركته دامجا فيها العدل الاجتماعى.. وتاركا كل ما يخالف الفطرة الإنسانية والشريعة الإسلامية فى ذلك مثل فكرة التأميم مثلا ومحدثا مراجعات مهمة لتاريخه يتصالح فيها مع الفكر الإسلامى الرصين ويضرب قادته نموذجا فى الزهد والقناعة والعفة مثل الراحل إبراهيم شكرى الذى كان نموذجا حقيقيا للجمع بين الفكرة الإسلامية والاشتراكية حرصا صحيحا حيث تبرع بكل أملاكه للفلاحين الفقراء أو أن تتخذ الأحزاب الليبرالية من مبادئ الحرية فى الإسلام منطلقا لحركتها تاركة تطرف الليبرالية الغربية وأن تنطلق من قول عمر «كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا» وقول القرآن: «ولقد كرمنا بنى آدم» وقوله تعالى: «والنفس بالنفس».

والغريب أن الأحزاب المدنية ركزت فى قيادتها على رجال الأعمال من أجل فائدة واحدة هى التمويل مهملة الشباب والفقراء والبسطاء ولم نر لها قائدا فقيرا أو فى سن الشباب بل كلهم جاوزوا الستين تقريبا.

الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.