تصوير الثقب الأسود
حين أُحرق «جيوردانو برونو» في مطلع القرن السابع عشر، لم يخطر في باله قط أن تكون ثمة ثقوب سوداء تمسك المجرة. أحرقوه لأنه قال إن الكون أكبر من كوكبنا! وكانت فكرة «الثقب الأسود» من وحي لسان «سيمون لابلاس» الذي رافق نابليون في حملته، وتوقع شيئاً من هذا القبيل ثم تراجع. فالفكرة فيها ضرب من الخيال. واليوم نعرف أنها حقيقة، بل هو من يوجد في مركز المجرة، يحافظ على توازنها وتماسكها، بكتلة مرعبة من الوزن تصل إلى أربعة ملايين مرة مثل شمسنا، ولا تزيد في حجمها عن حجم الشمس.
والجديد في فهم ظاهرة الثقب الأسود هو بدء المحاولة في تصويره مباشرة، كيف يتنفس ويعمل. وهو ما سيفكك أيضاً الظاهرة المعروفة في علم الفلك المسماة بحلقة آينشتاين. ومحاولة تصوير الثقب الأسود مثل من يريد تصوير برتقالة على سطح القمر من سطح داره. فكوكبنا الأزرق يبتعد عن مركز المجرة 26000 سنة ضوئية. وبالطبع فهي استحالة، ولكن لماذا يريد العلماء سبر غوره، والاستعداد لذلك بطرق رائدة؟
ولكن حسناً فالذكاء الإنساني يتغلب على الصعوبات. فثمة طرق غير مباشرة لالتقاط انبعاثات الثقب الأسود. وهنا يحتاج الفريق العلمي إلى تلسكوب حجمه بحجم الأرض، فكيف يمكن تركيب مثل هذا؟ حتى هذه المشكلة تغلبوا عليها وعلى نحو أفضل، بوصل ثمانية تلسكوبات سماوية معاً، ما يحول هذه التلسكوبات إلى تلسكوب واحد من حجم «الميجا» بحجم الأرض، ممتداً بأذرعه من فرنسا وإسبانيا وجرين لاند، وانتهاء بالقطب الجنوبي، مروراً بالمكسيك وأميركا، وانتهاء بجزر هاواي، ولكن المركز الأساسي هو في مرصد «ألما» الأوروبي على سفح جبل «شاينانتور» (بارتفاع 2000 متر عن سطح البحر في صحراء أتاكاما وبسماء صافية، في معظم فصول السنة، وبتكلفة مليار يورو، حيث ينتصب 66 طبقاً فضائياً، تحصي ما يدب في الملأ العلوي).
هنا ومن مرصد «ألما» وبالتعاون مع معهد «ماساشوست» ومن خلال توقيت صارم، وبساعات (ذرية) لا تخطئ إلا في أجزاء بسيطة من الثانية، يمكن الانطلاق بمشروع التصوير، بما يحول التلكسوبات الثمانية إلى واحد، يحول قوة الرؤية وحدتها إلى تلسكوب «ميجا»، وبأقوى في الرؤية من منظار «هابل» الذي يسبح في السماء بألف مرة. والمشكلة الحالية التي ستحل هي في مرقاب القطب الجنوبي، وسيكون في متناولنا مع ربيع 2018 لجمع كمية هائلة من البيانات.
ويمضى ديمتريوس بسالتيس من جامعة أريزونا، ومن كمبيوتر هو الأقوى في العالم، في إخضاع المهمة إلى برامج التخيل، ليخرج بنموذج ومنظر وكأننا نتأمل فطيرة ملونة. وبالطبع فإن تصوير هذا الثقب الذي يرمز له بـ«Sgr A» في مركز مجرتنا، درب التبانة، سيخضع النظرية النسبية العامة لاختبار خطير، فحسب آينشتاين فإن الضوء مع قوة الجذب المخيفة لن يبقى مستقيماً بل يتحدب ويغير مساره، وهي ما سمي بحلقة آينشتاين، ويعتبر مايكل جونسون من جامعة هارفارد، أنه حتى لو ظهر صدق تخيلات آينشتاين عن انحراف مسير الضوء بمروره بمساحات تشتد فيها الجاذبية، فستكون لنا فرصة مثيرة لتصوير نبض الثقب وخفقانه، وأكثر من ذلك معرفة أسرار ثقب أسود في مجرة المرأة العذراء التي تبعد بالفي ضعف مسافة الأرض عن مركز المجرة، وفي مركزها ثقب أسود «M87» أثقل من الشمس بـ6 مليارات مرة. بل ودراسة النجوم النابضة والمغناطيسية والكوازار الغامض.

