الأوراسيوية.. الأيديولوجيا الروسية الجديدة
عندما أعلن وزير الخارجية الروسي «لافروف» في مؤتمر السلم المنعقد الأسبوع الماضي في ميونيخ «نهاية النظام الليبرالي العالمي» وقيام نظام دولي «مابعد غربي»، وكان كلامه منسجما مع توجه قوي وثابت في الأيديولوجيا الروسية الحاكمة منذ قيام الدولة البوتينية. ففي هذا العام الذي تحل الذكرى المائوية للثورة البلشفية، يبرز اتجاه واسع لإعادة الاعتبار لهذه الحركة التي أعادت لروسيا هويتها الإمبراطورية وحوّلتها إلى قوة دولية كبرى تتزعم قطباً عالمياً كاملا، حتى ولو كان الحنين إلى العهد السوفييتي لا يواكبه رجوع إلى السردية الشيوعية، بل إحياء للنزعة الأوراسيوية وللنزعة القومية المحافظة. فعندما تحدث بوتين عدة مرات عن روسيا كـ«دولة- حضارة» لها هويتها المستندة إلى التقليد الأوراسيوي الأصيل، مقابل «الغرب المنحط»، كان يستند إلى خطاب أيديولوجي أصبح الإطار الناظم للتوجهات السياسية والاستراتيجية الروسية الأخيرة.
الأوراسيوية هي في أصلها اتجاه ثقافي سياسي ظهر في عشرينيات القرن الماضي في أوساط المهاجرين الروس في أوروبا، من أبرز مفكريه الأمير «نيقولا تروبتزكواي» و«جورج فلوروفسكي»، ويتأسس على إعادة الاعتبار للماضي البيزنطي والمونغولي الروسي مقابل الغرب الروماني الجرماني، وللتقاليد المحافظة مقابل الحداثة الأوربية، ونموذج الدولة الإمبراطورية مقابل الدولة الوطنية. بالنسبة لهذا الاتجاه تتحدد هوية روسيا بموقعها الجغرافي من حيث هي قارة ثالثة تتوسط الغرب وآسيا، ومن ثم لا خيار لها في أن تكون دولة إمبراطورية قوية مركزية في موقع هيمنة إزاء جوارها.
ولعل أهم من يعبر راهناً عن هذه النزعة المهيمنة في أوساط القرار في موسكو، الفيلسوف والمفكر السياسي الروسي «ألكسندر دوغين» الذي أنشأ حزباً باسم الأوراسيويا معترف به قانونياً، وقد أصبح له حضور لافت في الدوائر الإعلامية والدبلوماسية، كما أنه من مناصري السياسة الشرق أوسطية الروسية الجديدة ودعاة التقريب بين المسيحية الأرثودكسية والإسلام الصوفي.
عندما انتخب الرئيس الأميركي الجديد «دونالد ترامب»، كتب «دوغين» مقالا احتفى بما اعتبره انتصار أميركا المحافظة «النقية والأصيلة» على أميركا العولمة المنحطة، منتهياً إلى أن لحظة ترامب ترمز لنهاية النظام الدولي الأحادي من قلب المركز الغربي وبداية بروز معادلة دولية جديدة على أساس التمايز الحضاري، تتزعم فيها روسيا القطب الأوراسيوي الذي يمتد إلى مناطق النفوذ الروسي التقليدية ويتوسع إلى المجال الشرق أوسطي (العالم المونغولي التتاري).
بالنسبة لدوغين -الذي له تأثير واسع على حركات اليمين المحافظ في أوربا- ما يتعين محاربته هو النموذج القومي العلماني الأوربي الذي أفرز فكرة الدولة الليبرالية المفصولة عن تقليدها الحضاري التاريخي الذي أدى إلى انهيار الغرب، والعودة إلى فكرة الأمة الإمبراطورية متعددة القوميات التي تسندها دولة مركزية قوية. من هذا المنظور، يرى أن الأمم تحتاج إلى تقاليد أصيلة تكون هي روحها الحية ومقوم هويتها الرمزية والقيمية، موظفاً المعجم المصطلحي للفيلسوف الفرنسي «رينه غينون» الذي اختص في الكتابات حول التقاليد الباطنية قبل أن يعتنق الإسلام في القاهرة على يد أحد مشايخ التصوف ويتوفى فيها بداية الخمسينيات. كما أن دوغين يرجع في التوجه ذاته إلى أدبيات «الثورة المحافظة» الألمانية التي ظهرت في مرحلة ما بعد الحربين وأساسها هو نقد الأطروحة العلمانية الليبرالية واستبدالها بهوية التقليد القومي «الأصيل».
بيد أن الخطير في أفكار دوغين هو المقاربة الصدامية للنظام الدولي المستندة إلى قانون صراع القوة على منافذ الهيمنة في العالم (وفي مقدمتها الشرق الأوسط)، معتبراً أن لهذا الصراع جذوره المتجددة، ما بين الحضارت البحرية التي يمثلها اليوم الغرب والحضارات الترابية التي تمثلها روسيا. ولهذا الصراع الجيوسياسي وجهه الحضاري بين المحور الشرقي الذي تتزعمه روسيا والعالم الغربي، مبيناً أن الأطروحة السلافية التي تبناها دعاة «روسيا الأوربية» (روسيا الكييفية) لا تستند لمعطيات موضوعية، بينما تستند هوية روسيا الشرقية (روسيا الموسكوفية) إلى معطيات جغرافية وحضارية صلبة تفرض عليها العودة القوية إلى المجال الشرقي الأوسع والتحكم في رهاناته الجيوسياسية. ومن هنا ندرك جانباً من جوانب الاهتمام الروسي الجديد بالمنطقة العربية الإسلامية، وعلاقتها بتركيا وروسيا، بما لا يتسع المقام لتفصيله.
——————–
*أكاديمي موريتاني

