صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الفقيه والسياسي والمثقف

0

في كتابه الصادر مؤخراً بالفرنسية بعنوان «الفلسفة والتاريخ»، يستعيد المفكر المغربي «عبدالله العروي» تصنيفه الشهير لوجوه الأيديولوجيا العربية من منظور تقويمي راهن. الوجوه المذكورة هي «الشيخ» و«السياسي» و«داعية التقنية»، أولهما هو الشخصية الأيديولوجية المحورية في مرحلة الاستعمار، وثانيهما هو الشخصية الأيديولوجية في مرحلة الاستقلال، وثالثهما هو الشخصية الأيديولوجية للدولة الوطنية.

الشيخ هو الفقيه الذي تلقى تكويناً دينياً كلاسيكياً واطَّلع على بعض الأدبيات الحداثية العامة والبسيطة، إشكاله الأساس هو كيف يمكن الخروج من مرحلة الانحطاط، بما يجعله في موقف رد الفعل الدائم إزاء تفوق الغرب المهيمن بالاستجابة لمختلف مقتضيات الإصلاح في شتى جوانبه الدينية والسياسية والتقنية، بيد أن مرجعيته العميقة تظل التصورات الطبيعية والمجتمعية ما قبل حديثة خارج الأفق الليبرالي الذي لا يدرك رهاناته الجوهرية.

أما السياسي فهو في الغالب رجل القانون (المحامي) الذي مارس العمل النضالي ضمن صفوف الحركة الوطنية، ينطلق من نفس السؤال (الخروج من الانحطاط)، لكنه يرى أن المخرج هو إصلاح النظام السياسي من منطلق أفكار الحرية ودولة القانون ومنظور التعاقد الاجتماعي، لكنه ينتزع هذه المثل والمفاهيم من سياقها النظري ويستخدمها بطريقة نفعية ذرائعية مباشرة.

داعية التقنية هو المثقف الذي تلقى تكويناً حديثاً في المدارس والجامعات التي أنشأها الأوروبيون في حواضر المشرق العربي (في الأوساط المسيحية)، وليس هو العالم التقني، بل هو في الغالب صحفي له بعض الاطلاع على النظريات العلمية والاكتشافات التقنية الجديدة، يرى أن مدخل الإصلاح والنهوض هو استيراد التقنيات العصرية وتدريس ونشر العلوم التجريبية التي تمكّن المجتمع من عناصر القوة المادية كشرط للنهوض السياسي والاجتماعي.

ما يخلص إليه العروي في تقويمه النقدي لمسار الأيديولوجيا العربية المعاصرة، هو أن الشيخ لم ينجح في مشروعه للإصلاح الديني الذي لم يفْضِ إلى بناء لاهوت جديد أو ممارسة تأويلية جديدة للإسلام، كما أن السياسي فشل في مشروع الإصلاح السياسي والمؤسسي، بينما أخفق داعية التقنية في مشروعه التحديثي.

وعندما بلور العروي هذا التصنيف أول مرة في كتابه «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» في نهاية الستينيات، كان يتحدث عن وجوه لا تزال فاعلة في الحقل السياسي العربي رغم المنعرج العسكري الذي دخل فيه العديد من الدول العربية المحورية. أما الآن فقد تغيرت جذرياً هذه الخارطة على عكس ما يعتقد العروي الذي يرى استمرارية هذه التركيبة ولو في صياغات متجددة.

الفقيه الإصلاحي لم يعد مؤثراً في الحقل الأيديولوجي الذي اختطفته تنظيمات الإسلام السياسي الراديكالية الرافضة لمطلب الإصلاح الديني الذي هو محور مشروع الفقيه النهضوي. ومن هنا ندرك عزوف هذه التيارات عن المنظور الكلامي (اللاهوتي) الذي هيمن على الإصلاحيين الذين سعوا إلى بناء «علم كلام جديد» يعيد بناء المضامين العقدية في الإسلام، كما أن الحركات الاحتجاجية الإسلامية ترفض من المنظور ذاته هدف تجديد المنظومة التأويلية الشرعية في جوانبها الأصولية والفقهية. نموذج الفقيه نفسه انحسر في هذه الخارطة الجديدة، فلا يمكن أن يتماهى مع «الخبير الديني» النشط في دوائر الفتوى والاستشارة القانونية والمالية ولا «الموظف الديني العمومي» الذي هو أحد أفراد البيروقراطية الإدارية للدولة، كما أنه لا يتماهى مع «الناشط السياسي» في تنظيمات الإسلام السياسي الذي هو في غالب الأحيان محدود الثقافة الدينية.

السياسي بمفهومه التقليدي تراجع تأثيره، فلم يعد الزعيم الحزبي التقليدي المتشبع بالمُثل الليبرالية هو الوجه البارز في الحقل السياسي، رغم مكاسب الانفتاح والتعددية التي حققتها «الديمقراطيات العربية» الوليدة، فمن الجلي أن الأحزاب الوطنية العريقة التي ارتبطت بحركات التحرر (مثل «الوفد» المصري و«الاستقلال» المغربي و«الدستوري» التونسي) فقدت الجانب الأوفر من زخمها وحضورها الانتخابي. الوجوه السياسية الجديدة تتنازعها نماذج رجل الأعمال النشط في المجال العمومي والضابط السابق المدعوم من المؤسسة العسكرية، والاحتجاجي الحركي المنحدر من تنظيمات الإسلام السياسي الراديكالية.

نفس الحكم ينطبق على المثقف الوضعي (داعية التقنية) الذي لم يعد مؤثراً في الحقل السياسي ولا في دوائره الفكرية والثقافية، في مرحلة تغيرت فيها الوسائط الثقافية نفسها من سلطة الكتاب والصحيفة إلى سلطة الشاشة الفضائية والشبكات التواصلية الإلكترونية. المثقف الجديد هو «المدون» الذي هو في الغالب محدود الثقافة، ضيق الفكر، يستهلك «الوجبات الثقافية السريعة»، حسب اصطلاح عالم الاجتماع «بيار بورديو»، هدفه الإثارة لا الإقناع، تقاسم الانفعالات لا تقاسم الأفكار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.