صحيفة الكترونية اردنية شاملة

لا تعبثوا بالقدس!

0

في غضون أيام قليلة، سيتعين على الرئيس المنتخب دونالد ترامب أن يقرر ما إذا كان سيفي بوعده وينقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس أم لا. ومع اقترابنا من يوم التنصيب، قدم معلقون ليبراليون ومحافظون بعض الأفكار بشأن كيفية معالجة هذا الأمر. ورغم أن بعض هذه الأفكار «متميزة» وبعضها حمقاء، فإنه ينبغي رفضها جميعاً. وبصورة أوضح، فإن كافة المقترحات التي تابعتها تركز بصورة حصرية على المخاوف الإسرائيلية، وتتجاهل، أو تتعامل بصورة سيئة مع المخاوف والحساسيات الفلسطينية والعربية والإسلامية.

ومن جانب، ثمة مقترحات من المتعصبين الذين ينصحون ترامب بالمضي قدماً ونقل السفارة، زاعمين أنه بإنجاز الوعد الذي قطعه خلال الحملة الانتخابية سيرضي قاعدته ويكسب احتراماً دولياً؛ كونه زعيماً قوياً وحاسماً! ويرفض هؤلاء المتعصبون آراء الفلسطينيين والعرب والمسلمين، معتمدين على افتراضات خاطئة بتلاشي الاهتمام في أنحاء العالم العربي بالقضية الفلسطينية، أو يفترضون بصورة عنصرية أن العرب يحترمون القوة، وفي نهاية المطاف سيذعنون لأي تحرك أميركي!

وفي هذه الأثناء، ثمة بعض المقترحات «الماكرة» التي تفترض أن مصطلح «نقل» يمكن أن يُفسّر بطرق من شأنها عملياً خداع الإسرائيليين والفلسطينيين على السواء. ومن هذه المقترحات أن يعيش السفير الأميركي الجديد لدى إسرائيل ويعمل في القدس، بينما تظل السفارة «الرسمية» في تل أبيب. ويقترح رأي آخر أن تقوم الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى القدس، على أن تفتح مكتب تمثيل لها في رام الله، مع وعد بدراسة فتح سفارة لها في «الدولة الفلسطينية المستقبلية» في القدس الشرقية.

لكن لا ينبغي لأحد أن ينخدع، فلن يجدي أي من هذه المقترحات. وهؤلاء الذين يتصورون أن العرب والمسلمين سيذعنون ببساطة أمام الاستعراض «الترامبي» للقوة الحاسمة، إنما يلعبون بالنار. فحتى وإن كان العالم العربي منقسماً ومشتتاً بسبب التبعات المؤثرة للاضطرابات السياسية التي شهدها خلال السنوات القليلة الماضية، فإن العبث بالقدس سيكون حافزاً لرد عربي إسلامي موحد ومركز. وسيكون هناك اضطراب هائل في أنحاء المنطقة ومطالب بالرد. وإذا أخفقت الحكومات في التحرك، فسيمنح ذلك المتشددين الإيرانيين والجماعات السنية المتطرفة ما يريدونه لإحداث مزيد من الاضطراب في المنطقة.

وربما اختفت فلسطين من الرادار لبعض الوقت، لكنها تظل «الجرح الغائر الذي لا يلتئم في القلب». وانتهاك القدس والاضطراب في الأراضي الفلسطينية المحتلة من شأنه أن يزيل القشرة عن ذلك الجرح، مذكراً العرب بضعفهم وعجزهم عن التحكم في تاريخهم في مواجهة خيانة الغرب. وتجاهل هذا الشعور ستكون له تبعاته حتماً!

وينطبق ذلك على المقترحات «الماكرة»، والتي لن تنطلي على أحد. ولن يقبل المتعصبون الإسرائيليون خدعة ماكرة. وإذا ردت الولايات المتحدة بالتظاهر بأن «النقل» حقيقي، فإن العرب سيغضبون كما لو أن الأمر واقع بالفعل. والدرس المستفاد من ذلك كله: «لا تلعبوا بالنيران إذا لم تكونوا مستعدين للحرق». لذا، لا تعبثوا بالقدس!

ومشكلة المناقشات بشأن القدس في الولايات المتحدة هي أنه يُنظر للقضية بشكل كبير من منظور يهودي إسرائيلي، كما أن المزاعم الإسرائيلية تجاه المدينة والرواية التاريخية للإسرائيليين هي الإطار المقبول الذي يتم فهم القضية من خلاله أميركياً. وعقب التصويت الأخير في مجلس الأمن الدولي، نقلت التقارير الصحافية غضب إسرائيل التي اعتبرت ذلك القرار معادياً للسامية، لأنه تعامل مع القدس الشرقية كأرض محتلة وليس «عاصمة أبدية لإسرائيل». وهذا الادعاء يتم طرحه مراراً وتكراراً من قبل الصحافة وأعضاء الكونغرس دون اعتراض.

وبالنسبة للفلسطينيين والعرب، تبدو قضية القدس حساسة ومهمة جداً، على نحو تتجاهله الولايات المتحدة كلياً. وبالطبع المدينة مقدسة؛ فهي ثالث أقدس مكان في الإسلام. كما أن القدس موطن لمئات الآلاف من الفلسطينيين المخنوقين اقتصادياً، والمحرومين من أبسط حقوق الإنسان. وما تصفه إسرائيل بالقدس الشرقية هي مساحة كبيرة من الأراضي التي تمتد لأميال داخل الضفة الغربية، بها 22 قرية فلسطينية. وقد تمت مصادرة أراضيها لإتاحة بناء مستوطنات يهودية. وباتت تلك القرى العربية القديمة محاطة بمستوطنات سكانها من اليهود، وبالمعنى الحرفي، باتت مخنوقة حتى الموت!

ولأن الفلسطينيين شاهدوا كيف تعاملت إسرائيل مع بيت لحم والخليل، فيمكنهم أن يتوقعوا تطبيق النموذج ذاته على مستقبل القدس؛ أعني بطش المحتل الإسرائيلي الذي يصادر منهم بصورة مستمرة أراضيهم وحقوقهم، ويرسخ «الوقائع على الأرض»، وفي نهاية المطاف يسيطر بشكل كامل، ويحول المدينة بطريقة لا يمكنه الرجوع عنها.

ونتيجة لذلك، فإن الفلسطينيين يواجهون خطراً داهماً، ونقل السفارة أو حتى التظاهر بفعل ذلك سيدفعهم بدرجة أكبر نحو الخطر، ويشعل شرارة ستحرق المنطقة بأسرها. ونصيحتي للإدارة الجديدة؛ انسوا وعودكم، وتجاهلوا المقترحات «الماكرة» و«الحمقاء» ولا تعبثوا بالقدس!

الاتحاد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.