الثورة «المحافظة» في الغرب
من المتوقع أن يكون رئيس فرنسا القادم هو «فرانسوا فيون» رئيس الحكومة الأسبق والمرشح اليميني المرجح للانتخابات الرئاسية في أبريل القادم. الرجل الذي كان يُنظر إليه بصفته مجرد تكنوقراطي في الظل قفز بصورة مذهلة في الميدان السياسي وأزال من السباق كل وجوه اليمين العتيدة، ومن المؤكد أنه في حال فوزه سيحدث هزة كبرى في بلد قيل عنه إنه عصي على التغير وغير قابل للخروج من تقاليده السياسية التي أصبحت بالية ومعيقة للتطور. «فيون» فاجأ الشارع الفرنسي بمشروعه الراديكالي الذي لخصه أحد المعلقين بالقول إنه بجمع بين «مارجريت تاتشر» في الاقتصاد و«بوتين» في السياسة الخارجية، مؤلفاً بين خطاب اليمين المحافظ الذي كان يعتبر في طور الاختفاء في فرنسا، واليمين الليبرالي المناوئ لتدخل الدولة في الاقتصاد، وهو أيضاً الاتجاه الغريب على المدرسة «الديجولية» التي يستند إليها «فيون» (اليمين الاجتماعي حسب التسمية المعروفة). «فيون» لم يتردد في تبني العديد من شعارات واصطلاحات اليمين المتطرف مثل الحديث عن «الهوية الفرنسية القلقة» و«مخاطر الهجرة على النسيج القومي» و«مشكل الاندماج الإسلامي»، كما أنه استمال الناخبين الكاثوليك المتعصبين بنقده للقوانين الأخيرة التي أقرت زواج المثليين وحربة الإجهاض وبحديثه عن دور فرنسا التاريخي في حماية «المسيحيين الشرقيين»، بما بدا نشازاً في فرنسا، التي بنت تقاليدها الجمهورية على مبدأ اللائكية.
وإذا كان من غير الدقيق مقارنة «فيون» بالرئيس الأميركي المنتخب «دونالد ترامب»، إلا أن العديد من نقاط التشابه واضحة في مشروعي الرجلين اللذين يلتقيان في جوهر الخطاب السياسي، وفي القاعدة الانتخابية مع تمايز خلفيتهما (السياسي المحترف المنحدر من المؤسسة الإدارية الحكومية ورجل الأعمال الغريب على الحقل السياسي). الظاهرة ليست خاصة بالبلدين الغربيين اللذين نشأت فيهما تاريخياً أولى التقاليد الديمقراطية (الثورة الأميركية والثورة الفرنسية)، بل هي ظاهرة عامةً ملحوظة في جل البلدان الأوروبية وفي مقدمتها دول أوروبا الوسطى والشرقية، التي أصبحت تحكمها في مجملها أنظمة شعبوية تسلطية وصلت للسلطة عن طريق صندوق الاقتراع، لكنها اتجهت إلى تقويض المكاسب الليبرالية التي تحققت منذ سقوط جدار برلين، وانهيار التجارب الشيوعية التي قامت في عصر الحرب الباردة. ولقد أصبح تحدي «الارتدادات التسلطية» في بلدان أوروبا الوسطى (المجر وبولندا وسلوفاكيا على الأخص) من التحديات الكبرى التي تواجه مستقبل المشروع الاندماجي الأوروبي الذي قامت ديناميكيته على تصدير النموذج الديمقراطي الليبرالي التعددي.
المثير في الأمر كله أن هذا النكوص عن النموذج الديمقراطي الليبرالي الغربي واكبه ميل للتجربة البوتينية في روسيا بعد مرور قرابة ثلاثين سنة على الثورات الانفصالية عن الاتحاد السوفييتي في أوروبا الشرقية، والحال أن البوتينية لا تختلف في الجوهر عن «الثورات اليمينية المحافظة الجديدة» في تصورها لمفهوم الهوية القومية، ولمكانة الدين في بنية هذه الهوية، وفي مقاربتها لموضوع الشرعية السياسية والسيادة الوطنية.
السؤال المحوري الذي يتعين طرحه هنا هو: هل يمكن أن نعتبر هذه الديناميكية الجديدة مؤشراً على بروز نموذج سياسي جديد في الغرب في مقابل التقليد الليبرالي، أم هو مجرد مظهر لازمة الديمقراطيات التمثيلية الغربية؟
الملاحظة الأولى التي ننطلق منها في تناول هذا السؤال هي الإقرار بأن التجارب المذكورة شديدة الاختلاف من حيث السياقات والرهانات، كما أنها تفتقد لإطار مرجعي موجه، ولذا لا يمكن أن نطلق عليها تسمية النموذج الجديد، كما أنها في طور الاختبار، ومن الواضح أنها ظهرت في سياق الأزمات الثلاث العميقة التي تمر بها راهناً المجتمعات الغربية: الأزمة المالية التي بدأت منذ عام 2008، والأزمة الأمنية المتولدة عن موجة الإرهاب والأزمة الأيديولوجية المتولدة عن نضوب المصادر القيمية الحداثية للحقل العمومي.
الملاحظة الثانية هي إنما يجمع هذه الاتجاهات الجديدة على اختلافها هو أمران: التمرد على الآلية التمثيلية الانتخابية للديموقراطية التعددية من منطلق شعبوي مناوئ للنخب والأحزاب السياسية، وإعادة الاعتبار للهويات الوطنية من منطلق سيادي محافظ رافض لاستحقاقات العولمة. وإذا كان الخيار الشعبوي كما أثبتت تجارب القرن الماضي (النموذج الشيوعي والنماذج اليمينية الراديكالية)، عقيمة تقود حتماً للاستبداد والعنف لتنكرها لموازين التعددية القائمة في المجتمع كما تعبر عنها الموازين السياسية، فإن النكوص إلى الخطاب السيادي الكلاسيكي لا يمكن ان يكون خياراً مستقبليا لتعارضه الجوهري مع استحقاقات الثورة التقنية والصناعية الجديدة وما أفضت إليه من تحولات نوعية في طبيعة المنظومة الاقتصادية العالمية، وبالتالي تركيبة المجتمعات وهيكلية النظام الدولي.

