أطلق عليه المراجعون المتحمّسون اسم “قاتل الآيفون”. بدلاً من ذلك، “جلاكسي نوت 7” من سامسونج للإلكترونيات اشتمل على بذرة فنائه.
تسبب الجهاز في بعض الدمار: أجهزة الهاتف، التي تُباع بالتجزئة بما يُقارب 900 دولار، انفجرت. وفي الأيام التي تلت وفاته المُبكرة الأسبوع الماضي، اختفى جزء من القيمة السوقية للشركة مقداره 23 مليار دولار. وتتوقع “سامسونج” للإلكترونيات أن الكارثة ستُكلّف المساهمين 5.3 مليار دولار من الأرباح التشغيلية الضائعة حتى الربع الأول من العام المُقبل.
وبالنسبة للضرر الذي لحق بالعلامة التجارية، يقول ريتشارد ويندسور، مؤسس شركة الأبحاث المستقلة “راديو فري موبايل”: “نحن في أرض مجهولة”.
بدأت المشكلات عندما ظهرت تقارير عن أجهزة النوت 7 المعيبة أول مرة، بعد فترة قصيرة من إطلاق الجهاز في آب (أغسطس). سامسونج للإلكترونيات – دعامة تكتل شركات كوريا الجنوبية العائلية التي خرجت من رماد الحرب الكورية في الخمسينيات – تحركت بسرعة وربطت المشكلة بالبطاريات واستبدلت مورِّد البطاريات.
بعد ذلك تم شحن الأجهزة البديلة، لكن ميل المنتج للاحتراق عفوياً استمر. هنا تدخلت وكالات المستهلكين الأمريكية والكورية وحظرت شركات الطيران أجهزة الهاتف. وتحولت مشكلة مألوفة لكثيرين في الصناعة إلى واحدة ذات أبعاد أكبر بكثير.
ومع أن سامسونج تعرّضت للهجوم بسبب عملية الاستعادة التي نفذتها على مرحلتين، إلا أن كثيرا من المحللين يُشيرون إلى مشكلات البطارية عندما تعمل الأجهزة بشكل سيئ. “سوني” و”ديل” وشركات صناعة اللوح المتأرجح، وحتى “دريملاينر 787” من بوينج، جميعها أخفقت فيما يتعلّق ببطاريات أيون الليثيوم.
وفي الوقت الذي تستمر فيه سامسونج ووكالات المستهلكين في التحقيق في السبب، يبدو من المرجح الآن أن البطاريات نفسها لم تعد هي المتهم، وأن الأجهزة أو البرمجيات ذات العلاقة هي المعيبة، وهي التي تؤدي إلى حدوث تماس كهربائي.
وهناك كثير من الأماكن التي يمكن أن تظهر من خلالها العيوب. يقول نيكولاس باراتي، رئيس أبحاث التكنولوجيا في شركة السمسرة، سي إل إس آيه: “هناك آلاف المكونات إذا أردنا أن نذهب إلى التفاصيل الصغيرة. جدياً، أشياء تكلّف عشرة سنتات، أو دولارا للقطعة”.
مع ذلك، هذه الحادثة سلّطت الضوء على قضايا أكبر – ليس فقط بالنسبة للشركة. سامسونج للإلكترونيات، التي تملك رسملة سوقية تزيد على 200 مليار دولار ومبيعات سنوية بلغت العام الماضي 177 مليار دولار، هي عِماد اقتصاد كوريا الجنوبية.
يقول بارك جو جيون، رئيس مجموعة أبحاث الشركات “سي إي أو سكور”: “سامسونج وكوريا الجنوبية تتشاركان المصير نفسه الآن، نظراً لتأثير الشركة الكبير على الاقتصاد”. الكارثة، كما يُضيف، ستُضعف الصادرات “حتماً”. مجموعة سامسونج التي تبني كل شيء، من السفن إلى أشباه الموصلات، تنقل خُمس صادرات البلاد من حيث القيمة وتُشكّل القدر نفسه تقريباً من الاقتصاد. وحتى بعد الهجوم عليها الأسبوع الماضي، تُمثّل سامسونج للإلكترونيات 17 في المائة من مؤشر كوسبي القياسي في سيئول.
في الواقع، الضرر واضح منذ الآن. لي جو يول، مُحافظ البنك المركزي الكوري، حذّر من أن الحادثة هي من بين العوامل التي تلقي بثقلها على الاقتصاد. وتُظهر بيانات حكومية أن صادرات كوريا الجنوبية من الهواتف الخلوية والمكونات انخفضت 34 في المائة في أيلول (سبتمبر) مقارنة بالشهر نفسه العام الماضي.
ويُمكن القول إن بعض العيوب التي انكشفت لها أوجه تماثل عبر الأعمال في كوريا الجنوبية. يقول محللون إن هناك قضايا مماثلة اجتاحت قطاع البناء وقطاعات صناعية أخرى، في مجالات مثل إدارة سلاسل التوريد وضبط الجودة. ويضيفون أن الأمر الذي له تبعات سلبية للغاية هو أن ذلك يؤثر أيضاً على القيادة داخل الشركات.
خطأ الشركة، وفقاً لبعضهم، كان تصميمها على كسب ميزة غير متوقعة على أبل، من خلال الإسراع إلى السوق قبل إطلاق عدوها “آيفون 7” في أيلول (سبتمبر).
سامسونج تنفي هذا، قائلة: “يتم تحديد توقيت إطلاق أي منتج جديد بناءً على الانتهاء السليم لعملية التطوير وجاهزية المنتج للسوق”.
لكن الجدول الزمني الضيّق منح المهندسين وقت اختبار غير كاف، كما يُجادل كيم سانج جو، أستاذ الاقتصاد في جامعة هانسونج وأحد داعمي إصلاح نظام التكتلات العائلية. يقول: “اتخاذ القرار من الأعلى إلى الأسفل لم يسمح لها بأي نوع من التغذية الراجعة من مهندسيها في عملية التطوير”.
ويضيف تشانج سي جين، أستاذ إدارة الأعمال في الجامعة الوطنية في سنغافورة، ومؤلف كتاب بعنوان “سوني في مقابل سامسونج”: “يتحرك العاملون في الشركة بتناغم، دون إثارة أي أسئلة بعد أن يتلقوا أمرا من الأعلى. بالتالي كان عليهم الإنجاز قبل الموعد النهائي حتى وإن كانوا يحتاجون إلى مزيد من الوقت من أجل التحقق من الجودة”.
على الرغم من الإنكار، إلا أن هذا لا يزال إدانة صريحة لشركة تُنتج نحو 300 مليون هاتف ذكي سنوياً. وقد يُسلّط الضوء أيضاً على السلبيات فيما أصبح عملية أكثر تكاملاً رأسياً: سامسونج، مثل أقرانها، أصبحت خلال الـ18 شهرا الماضية تنتج كثيرا من المكونات داخل الشركة.
وفي كل الأحوال من المتوقع أن تُنفّذ سامسونج اختبارات وضبط جودة أكثر صرامة في المستقبل. كما يتوقع كثير من المحللين واللاعبين في الصناعة سقوط بعض الرؤوس ـ ربما فصل كوه دونج جين، رئيس أعمال الهاتف الخلوي. لكن سامسونج تقول إن هذا الأمر ليس قيد النظر.
وكان كوه قد تم جلبه في كانون الأول (ديسمبر) الماضي ليحل محل شين جونج كيون، الذي عزّز نجاح سلسلة جلاكسي باعتباره رئيس اتصالات الهاتف الخلوي منذ عام 2009. وكان كوه قد نال الاستحسان لتوجيهه انعطافا جذريا ناجحا للقسم.
مع ذلك، يعتقد بعضهم أن المسؤولية تصل إلى أعلى السلسلة. يقول تشونج سون سوب، رئيس مجموعة تحليل الشركات Chaebul.com، إن القيادة تضعضعت منذ دخول رئيس مجلس الإدارة، لي كون هي، إلى المستشفى في أيار (مايو) 2014.
ويضيف: “سامسونج كمنظمة أصبحت أكثر تفككا. الأمر نوعاً ما كان مثل سفينة تنجرف بدون قبطان. هذا النوع من الأزمة كان متوقعاً للشركة العائلية الكورية التي تميل إلى الاعتماد على قيادة رجل واحد”.
ويتابع: “لي جاي يونج [وريث لي] لا يزال عليه تعزيز سيطرته على المجموعة ومواجهة معركة شاقة لكسب ولاء العاملين والاعتراف الاجتماعي بقدرته الإدارية. كما يحتاج ليُصبح قائدا مسؤولا أكثر وضوحاً لاستعادة ثقة المستهلكين في سامسونج”.
ويقول آخرون إن الشركة تغيّرت على مدى العام الماضي. أحد المحللين يستشهد بإنجونج ري، كبير الإداريين للتكنولوجيا لقسم الهاتف الخلوي. فهو بشعره الطويل وتحدّثه الإنجليزية بطلاقة بعيد كل البُعد عن كونه موظفا أنموذجيا في شركة عائلية. “هذا يُخبرنا شيئا عن التطوّر الذي يحدث في الداخل”.
الشركات المنافسة لسامسونج كانت تراقب تتطور الأحداث باعتباره حكاية تحذيرية، تغلب عليها الشماتة، وبعضها يرى فرصة. وأظهر استطلاع للرأي على موقع Sammobile.com أن 40 في المائة من المشاركين على استعداد لاستخدام علامة تجارية أخرى في أعقاب زوال جهاز النوت 7. ويُنظر إلى تلك الخسارة على نطاق واسع على أنها ربح لأبل.
يقول رونان دي رينيسي، الذي يقود أعمال التكنولوجيا الاستهلاكية في شركة أفيوم الاستشارية: “من سيستفيد؟ الرقم واحد بالتأكيد هي أبل”.
ويُضيف أن جلاكسي نوت 7 كان صغيراً من حيث الحجم – مع ما يُقدّر بعدد زبائن يبلغ عشرة ملايين – لكنه كبير من حيث القيمة. ويحسب محللو “آر بي سي كابيتال ماركيتس” أنه إذا تحوّل خُمس زبائن النوت 7 الـ 2.5 مليون الأصليين إلى جهاز آيفون الجديد، فإن هذا يضيف إلى مبيعات أبل 400 مليون دولار. وعلى افتراض أن جزءا مماثلا من زبائن النوت 7 العشرة ملايين المتوقعين سابقاً تحوّلوا أيضاً في الأشهر القليلة المقبلة، هذا من شأنه إضافة 1.5-1.7 مليار دولار أخرى إلى خزائن أبل في الربع الرابع.
وعلى غير العادة بالنسبة لمثل هذه السوق المتنافسة، أبل لم تستغل مصائب منافستها اللدودة أثناء إطلاق أحدث جهاز آيفون، بعد أيام فقط من الاستعادة الأولية لجهاز النوت 7 في منتصف أيلول (سبتمبر).
هواوي، شركة التصنيع الصينية التي تُعتبر رقم ثلاثة في مجال الهواتف الذكية وتقوم بحملة منظمة في سوق المنتجات المتميزة، كانت متحفّظة بالمثل. ويعتقد باراتي أن الصراع والوقت المتعلّقين بنقل العناوين، والبريد الإلكتروني وكل شيء آخر إلى نظام تشغيل أبل يعني أن الذين لم ينقلوا سوف يختارون التحول إلى مستخدم آخر لنظام أندرويد: ويقول: “الاستنتاج أن أبل هي المستفيد الرئيس خطأ”.
هواوي تعمل أيضاً على نظام أندرويد، لكن باعتبارها قادما جديدا إلى السوق الراقية قد تكافح لإنتاج عدد أجهزة كاف بسرعة كافية: وفقاً لبيانات الشحن، سامسونج تشحن 2.7 جهاز مقابل كل جهاز لهواوي.
الشائعات على الإنترنت تُشير إلى أن هواوي تعتزم كشف النقاب عن إصدار جديد من الهاتف اللوحي “فابليت ميت” الخاص بها، وهو هاتف ذكي بحجم أكبر يتنافس مع جهاز النوت. الصور المُسرّبة – غير المؤكدة من قِبل الشركة – تُظهر الجهاز مع شاشة منحنية مثل النوت 7، الأمر الذي يُساعد في جعل الجهاز يبدو أنحف.
يقول دي رينيسي إن هاتف بكسل من جوجل، المُقرر أن يصدر للبيع في وقت لاحق من هذا الشهر، قد يستفيد أقل مما يتوقعه بعضهم، لأن المنتج ليس متوافراً على نطاق واسع.
ويُشير محللون إلى أن سامسونج كبيرة فوق الحد على نحو يجعل من غير الممكن التنازل عن حصة بدون قتال. واستناداً إلى أرقام العام الماضي، تستمد نصف مبيعاتها من قسم الهاتف الخلوي لكن 38 في المائة فقط من الأرباح، بينما تملك أشباه الموصلات هامش الربح الأكبر.
لكن أحجام مبيعاتها من الهاتف الخليوي مكّنتها من كسب هوامش ربح قوية بنسبة 10-12 في المائة على الأجهزة العاملة بنظام أندرويد، كما يقول ويندسور. ومع 68 مليار دولار من النقدية في ميزانيتها العمومية في نهاية تموز (يوليو)، فهي تملك قدرة كبيرة.
دورات الحياة القصيرة المذكورة قد تعمل لصالحها هذه المرة. يُشير دي رينيسي إلى أن نحو 80 في المائة من مبيعات الهواتف الذكية المتميزة تتحقق في الأشهر الستة الأولى بعد الإطلاق. وإذا تمكّنت سامسونج من إثبات أن النوت 8 خال من المشكلات، فإن العلامة التجارية يُمكن أن تعود بسرعة إلى اللعبة.
قد يُطالب المستهلكون بمزيد من الذاكرة في هواتفهم، لكن ذاكرتهم هم أنفسهم قصيرة وينسون بسرعة. لكل جهاز قابع في مقبرة الهواتف الذكية – أجهزة نوكيا، وبلاكبيري، وأمازون فاير – هناك عدد من العلامات التجارية الأخرى التي تراجعت، لكن عاد إليها المشترون بسعادة بعد ستة أشهر.

