رفقاء في الافتراس
مثلما يشير إلى ذلك كثيرون، يتعين على الجمهوريين الذين يحاولون اليوم النأي بأنفسهم عن دونالد ترامب أن يشرحوا لماذا كان لشريط الفيديو، الذي يحتوي على تصريحات بذيئة لترامب بحق النساء، هذا التأثير الكبير بينما لم تكن الكثير من الحوادث السابقة كذلك. وفي يوم السبت الماضي، وفي معرض شرحه للأسباب التي دفعته لسحب دعمه لترامب، أشار السيناتور الجمهوري جون ماكين عن ولاية أريزونا إلى «تصريحات حول أسرى الحرب، وعائلة الجندي خان، والقاضي كريل، وتصريحات سابقة غير لائقة عن النساء»، متحاشياً الإشارة إلى المكسيكيين كمغتصبين، والدعوات لحظر دخول المسلمين.. إلخ. ولكن لماذا تأخرت إلى هذا الحد يا ماكين؟
أحد الأعذار التي نسمعها اليوم هو أن المعلومات التي تكشّفت الآن مختلفة نوعياً عن سابقاتها -أي أن ازدراء النساء شيء، ولكن التبجح والتباهي بالتحرش بل الافتراس الجنسي شيء مختلف تماماً. ولكنه دفاع ضعيف ومردود عليه على اعتبار أن ترامب كان يَعد بسياسة العنف ضد الأقليات دائماً. وإصراره الأسبوع الماضي على أن المتهمين الخمسة في قضية الاغتصاب في حديقة «سانترال بارك»، الذين بُرِّئوا بموجب أدلة الحمض النووي، مذنبون وكان ينبغي إعدامهم، كانت أسوأ من الشريط في الواقع، ولكنه لم يثر تنديدات من حزبه!
وإذا كنت تَعتبر أن الافتراس الجنسي غير مقبول أكثر من أي شيء آخر، عليك أن تسأل نفسك: أين كان أولئك الجمهوريون المصدومون في أغسطس الماضي، عندما انضم روجر آيلز -الذي كان قد طُرد للتو من قناة «فوكس نيوز» على خلفية أدلة مهولة على استغلاله منصبه لإرغام نساء على علاقات جنسية- إلى حملة ترامب كمستشار له. هل أثار ذلك أي احتجاجات من شخصيات قيادية في حزب الجمهوريين؟
إننا بالطبع نعرف الجواب: إن أحدث فضائح ترامب تثير قلق واستياء الجمهوريين، بينما لم تثره الفضائح السابقة، لأن حملة المرشح كانت أصلًا قد بدأت حالة سقوط حر. ويمكنك أن تلمس ذلك في الأرقام: فاحتمال انسحاب أحد جمهوريي مجلس النواب من قطار ترامب ذو علاقة قوية بحصة أوباما من الأصوات في انتخابات 2012، بمعنى أن الجمهوريين الذين يوجدون في دوائر انتخابية صعبة حيث التنافس جد محتدم غاضبون من سلوك ترامب، في حين أن أولئك الذين يوجدون في مقاعد آمنة يبدون غير مكترثين على نحو غريب.
وفي هذه الأثناء، يثير محور ترامب- آيلز لسوء السلوك سؤالًا آخر: هل الافتراس الجنسي من قبل شخصيات سياسية رفيعة مثال على التعصب الحزبي السائد؟
وحتى أكون واضحاً، أنا لا أتحدثُ هنا عن السلوك السيئ بشكل عام، الذي قد يحدث بين السياسيين (والناس) من كل الميول السياسية. صحيح أن بيل كلينتون تورط في خيانة زوجية، غير أن ثمة بوناً شاسعاً بين علاقة بالتراضي، بغض النظر عن مدى قبحها واستهجانها، واستغلال القوة لإرغام الأشخاص الأقل قوة على الخضوع لنزواتك. إنه من دون شك أسوأ بكثير -وهو يحدث أكثر مما نحب أن نعتقد!
ولكن لماذا يتورط في كل هذه القصص جمهوريون؟ أحد الأجوبة قد تكون له علاقة بالبنية. فالحزب الجمهوري هو، أو كان حتى هذه الانتخابات، مؤسسة هرمية منسجمة، يستطيع فيها الرجال الأقوياء التغطية والتستر على خطاياهم على نحو أفضل بكثير مما يستطيعون فعله في الائتلاف الديمقراطي الواسع والفضفاض.
كما أن ثمة أيضاً تشكيكاً أصيلًا يطبع النخبة الجمهورية. فنحن نتحدث عن حزب لطالما استغل رد فعل البيض لحشد وتعبئة ناخبي الطبقة العاملة، بينما يسن سياسات تضر بأولئك الناخبين في الواقع وتصب في مصلحة الأغنياء. وأي شخص يشارك في ذاك الاحتيال -وهو احتيال في الواقع- لابد أنه يدرك أن السياسة مجال يمكنك أن تفلت فيه من العقاب إذا كانت لديك العلاقات والمعارف المناسبان. وبالتالي، فمن إحدى النواحي يمكن القول إنه ليس مفاجئاً إذا كان عدد كبير من اللاعبين الرئيسين يشعرون بالقوة لاستغلال منصبهم. وهو ما يعيدنا إلى الرجل الذي كانت كل القيادات الجمهورية تقريباً تدعمه في حملته للرئاسة قبل يومين أو ثلاثة.
وعلى افتراض أن ترامب خسر في الانتخابات، فسيحاول الكثير من الجمهوريين الادعاء أنه كان شخصاً من خارج المؤسسة السياسية ولا يمثل الحزب في الحقيقة. ولكنه ليس كذلك. فقد فاز بالترشح بشكل واضح ومباشر، وقد اختاره الناخبون الذين كانت لديهم فكرة واضحة عمن يكون. كما أنه كان يحظى بدعم قوي من المؤسسة الحزبية حتى الأمس القريب. ثم إن عيوبه ونقائصه تنسجم تماماً وممارسات الحزب الأخيرة. وبعبارة أخرى، إن ترامب، ليس نشازاً أو استثناءً بقدر ما هو خلاصة خالصة لروح حزبه المعاصرة.
—————-
* معلق سياسي أميركي، حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

