ثقافة الجنون والانتحار
بتاريخ 20 أغسطس 2016 كانت مدينة غازي عنتاب التركية تحتفل بيوم بهيج، في مناسبة عرس جميل، حيث غصت القاعة بالمدعوين، وعزفت الموسيقى، وقدمت الحلويات، وتقدمت العروس بثوب أبيض، لدخول أول يوم في حياتها الجديدة.
فلسفة العرس والعروس والزواج هي رقصة الحياة في وجه الموت، فالزواج هو قهر الموت بالتوالد الجديد لجيل قادم، ولكن رسل الكراهية حولوا العرس إلى مأتم، والموسيقى إلى ندب ونواح، وتلطخ ثوب العروس الأبيض بالدم الأحمر القاني، ودفنوا الحياة بالموت مقدماً. كان منفذ الحدث انتحارياً قتل 29 من المدعوين وجرح 64 آخرين، وأخذ الانتحاري معه إلى المقابر قافلة من الأموات.
أنا شخصياً لا أفهم كيف يقدم شاب أمامه كل الحياة فينحر وينتحر. وكيف استطاعت تربية أن توصل الشاب إلى هذا الجنون، فيقدم على الموت بهذه الطريقة، ويأخذ معه إلى عالم الأتراح، من يظن أنهم من الكافرين! فأي ثقافة إجرامية هذه؟
لقد أكدت كل الثقافات والأديان على أول وصية: لا تقتل، مع ذلك فمن يقتل هم شباب يزعمون التدين! فكيف نفهم هذا التناقض؟ الذي هو تناقض عندنا، وليس في جو التربية الجديدة التي تربي انتحاريين يَقْتُلون ويُقْتَلون؟ يرون أنها «شهادة» كما يزعم أيضاً نصرالله عند مقتل شبابه من «حزب الله»!؟
أي ثقافة نعيشها حين يحرق «البوعزيزي» نفسه في تونس، فيفجر أكبر ثوران وفوضى في القرن؟! هناك خيط أزعم أنني أمسكت به، هو مفتاح الصراع في الشرق الأوسط، وأعني أن موضة خطف الطائرات، وتفجير النفس بحزام ناسف، بين جمهرة من الناس المكروهين، جاء من وراء الصراع العربي الصهيوني، حين اشتدت حلكة اليأس، ويدفع العالم جميعاً ضربية التواني في حل المعضلة، ويُفَتش الناس جميعاً، في كل مطارات العالم، ويتم تطوير أجهزة رصد المعادن والسوائل، ويدفع الناس ثمن الأمن باهظاً في حياتهم.
حالياً تبدلت الموضة بعد بناء أسوار شارون، إلى دهس الناس بالسيارات، وطعنهم بالسلاح الأبيض، وقدرة العقل الإنساني على اختراع المزيد في حومة الصراع لا تنتهي.
أنا رجل أرصد الأحداث الإرهابية منذ فترة، وتطالعني قائمة الانتحاريين بنظرة تشاؤمية، على امتداد الأرض، مثلاً في أورلاندو أميركا يسجل عمر متين الأميركي من أصل أفغاني قتله 49 من المثليين، بعده نسمع عن العروسي وهو يقتل شرطياً ويذبح زوجته في فرنسا في منتصف يونيو، ثم نصل إلى القاع في لبنان في ثمانية تفجيرات انتحارية، ثم نرتجف من إسطنبول حيث قام الجناة بقتل 39 شخصاً في مطار أتاتورك، قبل أن نسمع عن أخبار الانقلاب الذي نقل إلى التوابيت مئات الناس، ثم نرى مناظر من الجاهلية في اقتحام الفلوجة ولجان «الحقد الشعبي»، ثم في داكا يقتل عشرون منهم 18 سائحاً، وإعلان الحداد ثلاثة أيام عدداً، ثم في التفجير السادس والأعنف في بغداد المنكوبة في «الكرادة» حيث يرسل انتحاري إلى الموت 130 شخصاً، ليرتفع العدد لاحقاً إلى 200، وجرح 150 آخرين وإعلان الحداد. ثم تفجيرات هي الأولى من نوعها في الحرم النبوي الشريف في المدينة المنورة، ثم تفجيرات في «حسينيات» الشيعة في الأحساء والقطيف من شرق السعودية، ثم الأعجب في «نيس» في فرنسا حيث يندفع مجرم بشاحنة كبيرة في يوم احتفال فيدهس 84 شخصاً دفعة واحدة قبل أن يقتل، ثم يقفز الحدث إلى بلاد الألمان فيقتل ألماني من أصل إيراني تسعة من الألمان ثم يقتل نفسه.
إن الحديث الشريف يخبرنا بأن من قتل نفسه هو خالد مخلد في النار الأبدية. ومع ذلك فهؤلاء الشباب المتطرفون المنحرفون لا يأبهون للنار الأبدية! نحن هنا أمام فقه منحرف جديد بمعادلة رياضية صعبة المجاهيل. أنا شخصياً لم أستوعبها. وكل هذا الغلو والجنون بعيد عن الإسلام الحق، دين السلام، والتعايش والتعارف والتعاون بين الناس، من مختلف الأوطان والأجناس.
د. خالص جلبي
الاتحاد

