صحيفة الكترونية اردنية شاملة

هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: «لا تكذبي: بإلقائه»

0

كانت القاهرة يومها مدينة أعلام، بفتح الألف على مداها ­ كما يليق بالحرف الأول من الأبجدية. ولم يكنالإعلام ­ بالكسر ­ قد ظهر بعد كتسمية لمجموعة من الشعلات: التابعي، ومصطفى وعلي أمين، هيكل،إحسان، محمد خالد، أحمد بهاء الدين، كمال الملاّح. الخ. الخ. الخ.

وبما أنني كنت ناشًئا ومجهولاً، فلم أكن أحلم ­ ولا أسعى ­ لمقابلة أحد منهم. غير أنني كنت أعرف أنه إذاكان سعيد فريحة في القاهرة، فلا بد أن ألتقي عنده أحد الأعلام، أو معظمهم. ولم أكن أقدر على السفر إلىمصر إلا لتغطية قّمة ما. وكانت قممها كثيرة. قمة عربية، قمة أفريقية، قمة أفريقية ­ آسيوية، قمة حياد

إيجابي، قمة عدم انحياز. الخ. الخ.

وفي كل قمة، لا بد أن يكون سعيد فريحة حاضًرا، يتقدم جميع الشباب والمراسلين. وفي نهاية العمل واللغطوقالت «مصادر موثوقة»، كان يعقد جلسة المساء، محاًطا بصحافيي مصر والصحافيين القادمين من لبنان،ومن أي بلد عربي آخر. وأحياًنا كان يكون بين هؤلاء جميًعا طبيب أرسله مصطفى أمين لأن صديقه مصاب

بالإنفلونزا، ويرفض أن يتنازل لها بشيء من الراحة.

وذات مساء، كان بين ضيوفه، أو الضيف الخاص، شاعر الرقة والعذاب و«لا تكذبي، إني رأيتكما مًعا»، كاملالشناوي. وكان الشناوي عاشًقا دائًما، وخافًقا أبًدا، وبلا نتائج تذكر، وقد أحّب نجاة الصغيرة وشاهدها مرةمع الذي تحبه فكتب «لا تكذبي»، وأعطاها القصيدة تغنيها. وذلك المساء طلب سعيد فريحة من الشناوي أن

يلقي علينا القصيدة، فكان ذلك حدًثا أهم من القمة الأفريقية ­ الآسيوية.

وبعد سنوات أعطى ناصر الدين النشاشيبي رأيه في قصة الشناوي ونجاة فقال: «كيف يمكن لها أن تحبرجلاً سميًنا كرشه أمامه». اثنان لم يتعرض لهما أحد: الشناوي وبهاء الدين. وكان الجميع يتحاشون صداقةالنشاشيبي وعداوته.

أكثر من كان يعرف أنه غير خليق بحب نجاة الصغيرة، كان كامل الشناوي. وذلك ما لم يترك له عزاء سوىالشعر. وكان مثل جوالي الزمن الماضي يدور بشعره على أصدقائه. وإذا حضر مجلًسا، أسره بثقافتهوحضوره وحكايات مصر. وكانت نكاته ولمحاته ورًدا بلا أشواك. وابتسامات بلا إهانات. وفي مهنة مليئةبالحاقدين والحاسدين وصغار النفوس، كان كبيًرا.

الشرق الأوسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.