سلطان الحكم وسلطة التأريخ
كم مرة سمعنا في عالمنا العربي حاكماً يقول “سأتحرر من السلطة وأنصرف الى كتابة التاريخ”؟
الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة وعضو المجلس الأعلى لاتحاد دولة الإمارات، اختار ان يعلن هذا من معرض لندن الدولي للكتاب، ما يذكّرنا بأنه باحث ومؤلف ومارس بداياته مهنة الصحافة لأنه يعشق الكتابة.
ولأن التاريخ لا يجوز ان يُكتب في وقت حصوله ولكن بعد ان تهدأ الأمور وتستقر الأوضاع، يطرح الشيخ سلطان سؤالاً مهماً عن منطقة الخليج، التي طالما كانت على امتداد العصور مفصلاً حيوياً بين الأمم: “هل انتهى الصراع في الخليج وعلى الخليج”؟
الحاكم المميز الذي له سلسلة من المؤلفات، يرد بالقول إنه يعتزم كتابة موسوعة طويلة عن تاريخ الخليج العربي منذ البدء وكيفية تَكوّن الخليج بالصورة التي نراها اليوم. صحيح ان اللورد كير وضع موسوعة عن الخليج أيام الإستعمار البريطاني عام ١٩٠٣، لكنها كتبت من وجهة نظر بريطانية، ولهذا فإنه يريد كتابة موسوعة جديدة أكثر موضوعية وصدقاً، تقع في سبعة مجلدات تغطي كل المراحل التي مر بها الخليج العربي لتشمل الحقبة البرتغالية والهولندية وحكم السلاجقة والدولة العثمانية وصولاً الى الحكم البريطاني.
ليس سراً ان هذا العمل الضروري والمهم سيستغرق وقتاً طويلاً كما يقول الشيخ سلطان، لأن منطقة الخليج العربي تحتاج إلى توثيق دقيق، خصوصاً انها ظلّت على امتداد التاريخ موضع أطماع لكل القوى الدولية والإقليمية ليس بسبب ثرواتها النفطية بل لأنها كانت على الدوام تمثّل جسراً إستراتيجياً بين الشرق والغرب.
فعلى امتداد حقب طويلة تصارعت القوى الأجنبية للسيطرة على الخليج العربي، كممر للتجارة العالمية آنذاك، ومن الضروري تبيان هذه المراحل والوسائل التي إتّبعتها القوى الأجنبية للتدخل في شؤون المنطقة، إضافة الى الغزوات التي قامت بها القوى الاقليمية وتحديداً الدولة العثمانية ودولة الفرس، وهنا يكتسب الأمر مزيداً من الأهمية في ظلّ الأحلام العثمانية المستيقظة والطموحات الفارسية المستفحلة تدخلاً وتخريباً.
يرى الشيخ سلطان ان منطقة الخليج العربي كانت ملتقى الحضارات والثقافات القديمة، لأنها كانت تقع في أقصى الهلال الخصيب وهو الأراضي الخضراء التي تمتد من المنطقة في أقصى شمال الخليج لتشكّل نصف دائرة حتى شمال غرب هذه المنطقة لتصل الى دلتا النيل.
والسؤال تكراراً: كم من حاكم حكيم باحث ومؤلف وكاتب في تاريخنا العربي، يهتم بالجذور ويقول إنه سيمضي الى كتابة التاريخ ويتحرر من السلطة، وفي هذا صناعة لنوع مختلف من التاريخ؟
لأنني أعرف شخصياً ان الشيخ سلطان يملك اللوحة الوحيدة التي رسمها أرنست رينان لقلعة بعلبك، والتي تظهر على العملة اللبنانية، فانني أتمنى على سموّه تكراراً ان يهديها الى مصرف لبنان!

