صحيفة الكترونية اردنية شاملة

قمة الحقيقة

0

تحمل إحدى روايات نجيب محفوظ عنوانًا تعبيريًا مقتضبًا كعادته في اختيار المداخل إلى أعماله، هي «ثرثرة فوق النيل». ولم تصدر روايات أخرى عن ثرثراتنا فوق دجلة والفرات وبردى ونهر بيروت، وعموم البحاروالجبال والجداول.

لقد انقسمنا بعد مرحلة الاستقلال، إلىَعَربين: عرب العمل وعرب الكلام. وعندما نشاهد تائهين في قلب أوطانهم، أو على أطراف أوطان الآخرين، يملأون البر والبحر جوعًا وأسى وحزنًا ويأسًا وذلاً اليوم، وكل يوم، ما نشاهده على الشاشات من أطفال ونساء ورجال عّجٍز ومحمولين في عربات خشبية،وهوانًا – فإنما كل هذا نتاج الثرثرات التي لم تزرع قمحًا ولم تخبز رغيفًا ولمُتقم مصنعًا ولم تحقق تطورًا. لم ترَّد الفاقة والَعَوز عن الملايين الذين لمُتقدم لهم شيئًا سوى الكلمات الكبيرة وطبخات الحصى والوعودالكاذبة.

يقوم بزيارة مصر اليوم رجل لم يعرف في حياته سوى العمل. جاء سلمان بن عبد العزيز إلى الُملك بعد تجربةمن خمسين عامًا لا مثيل لها في العالم العربي. ففي كَنِفه تحّولت الرياض من بلدة متوسطة إلى مدينة منخمسة ملايين بشري. وفي عام واحد، تغّير معه الوضع السياسي في العالم العربي، من الانكفاء والتراجعوالخوف إلى الثبات والصمود والرد عن حقوق العرب. ومنذ اللحظة الأولى كانت خياراته أميرًا ­ خياراته ملكًا.

وفي طليعتها الحرص على موقع مصر في العالم العربي، وعلى الشراكة الكاملة معها في السراء والضراء.ومصر بالنسبة إليه، ليست همًاُيثار في زيارة رسمية، بل كانت دائمًا همًا يوميًا لقناعته بأنها حجر الزاوية فيبناء الأمة.

تتجاوز الزيارة العلاقات الثنائية بين الدولتين الكبريين. ففي هدوء معتاد، يبذل الملك سلمان كل جهودهالدبلوماسية من أجل تحصين مصر ورد الخصومات عنها. والمؤسف، كما قلنا أمس ونكرر، أن مصر محاصرةمن جوانب كثيرة. أكثرها مرارة بالطبع الجانب الداخلي، ولا يقل عنه أهمية الموقف التركي وامتداداته. ولاالخطر الجديد القادم من إثيوبيا، حيث تواجه مصر للمرة الأولى منذ وجودها، خطرًا آتيًا من صوب النيل الذيهو رئتها وقلبها.

يستطيع أي واحد منا أن يتخّيل عدد ونوع القضايا المطروحة في قمة القاهرة اليوم. وأي واحد منا يدرك أيضًاأن الملك سلمان يمثل في القمة هموم مصر بقدر ما يمثلها الرئيس عبد الفتاح السيسي. وإذا كانت تلك الهمومكثيرة اليوم، فإن الحل ليس بالاستسلام، وإنما بالتصدي لها في شراكة يقدم كل فريق منهما طاقاته وقدراتهمن أجل وقف هذا التدهور الحاصل في أنحاء المنطقة.

الحرب بين العمل والثرثرة ليست سهلة طبعًا. فقد اعتدنا أن ننتشي بالرنين المخّدر. بل لم نعد نمّيز بين الخدرالخادع ووقائع الحياة برغم كل ما نشاهده كل يوم، وبالرغم ما ننزف من دماء ونهدر من أرواح ومن وقت ومنمستقبل، غير أن قمة القاهرة مفترق تاريخي على الطريق. أكثر ما يمّيزه هو سرعة الإنجاز عند رجلين حّققافي فترة قصيرة وقف الانزلاق السريع نحو الضعف والوهن.

الشرق الأوسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.