من يخاف من «السوشيال ميديا»؟
«السوشيال ميديا» (أو التواصل الاجتماعي، الذي أصبح سياسًيا أكثر من كونه اجتماعًيا) في الحضاراتالشفوية هي الخرسانة المسلحة أو (اللبشة) لمعمار الديكتاتورية الاجتماعية أو سلطة الزحام والأعرافالمتوارثة على حساب سلطة العقل وسيادة القانون.
فرغم أن الهدف من «السوشيال ميديا» كما تصور البعضفي البداية هو تحرير المجتمعات من الخطاب الرسمي الجاثم على الصدور منذ عقود والانطلاق نحو خطاب
متعدد، أصبحت «السوشيال ميديا» وسيلة انغلاق لا وسيلة انفتاح، فلا يتواصل الفرد مع الآخر البعيدوالمختلف بقدر ما يتواصل مع القريب المتشابه، فيصبح كل جروب أو تجمع افتراضي بما لديهم فرحينمهنئين بعضهم البعض بمثليتهم الفكرية والسياسية.
معمار الديكتاتورية في المجتمعات الشفوية لا يبنى منفوق من قبل الحكومات بل من أسفل عن طريق أساس تصنعه ديكتاتورية «التخجيل». في مجتمعات تكون
فيها قوة العار الاجتماعي وذهنية الفضيحة أعظم من قوة القانون وقوة الحق تصنع الديكتاتورية من أدنىوليس من أعلى.بينما يكون معمار الحرية هو معمار النوافذ والإطلالة على الخارج، يكون معمار الديكتاتورية انكفاءة علىالداخل.
وهذا ليس كلاًما نظرًيا بقدر ما يعكس معمارنا بصرًيا هذه السلوكيات السياسية والاجتماعية، ففي مصرالمملوكية مثلا ظهرت عمارة صحن الدار حيث تطل نوافذ البيت على ساحة داخلية بها نافورة كخدعة جماليةلإعادة استئناس الطبيعة وتحويلها من عالم الخارج المختلف غير المضمون إلى المستأنس المضمون فيالداخل، وهكذا «السوشيال ميديا» عندنا انكفاء على نافورة صحن الدار، والشباك «اللي ييجي منه الريح،سده واستريح».
إضافة إلى شفوية حضارتنا التي وجدت ضالتها في الكتابة الموجزة بديلاً عن التفكير المطول والعميق،هناك عوامل أخرى جعلت «السوشيال ميديا» ضد الاختلاف ومع المثلية الفكرية.
خلقنا من أدوات التواصل الاجتماعي الذي لم يعد اجتماعًيا حواري تشبه جغرافيا الحواري، معماًرا عشوائًيايخلو من المعايير الحاكمة للجودة، وليست «قل كلمتك وامش»، بل اكتب تويتتك أو ضع بوستك وامش.
أنتجت «السوشيال ميديا» شعراء العلاقات الثنائية وكتاب القارئ الوحيد، ولا مسطرة هناك لقياس الغث منالسمين.غياب المعايير في الواقع الاجتماعي العربي تم نقله كصورة مرآة في العالم الافتراضي. ورغم أن المأمول كانأن ينعكس الافتراضي الجديد بمعاييره الجمالية والثقافية لينتج واقًعا جديًدا على الأرض إلا أن الواقع أو حتى الهروب منه جهل البلوبرنت (الرسم المعماري الأولي) الاجتماعي يتسيد الافتراضي.
الخوف من العالم الافتراضي في الثقافة الشفوية غير مبرر، إذ تكون قيمة المكتوب حتى في الكتب والصحفأقل قيمة من التواصل المباشر (face to face) لذا يكون تواصلنا في العالم العربي، إما ثنائًيا (على الخاص) أو تخجيلاً على العام، وبالتخجيل أعني تدوير تراث الخوف في الحارة ونقله إلى (الجروبات) بذات الطابعالطاغي اجتماعًيا والذي هو سلوك تخويف (intimidation) وديكتاتورية اجتماعية، ديكتاتورية من أدنى.
الخوف من قدرة «السوشيال ميديا» على هز المجتمعات الديكتاتورية أمر مبالغ فيه، إذ يقوم الافتراضيبإعادة إنتاج الاجتماعي بأدوات حديثة وهو ما يطلق عليه بتحديث التخلف.
الفكرة كانت عندما ظهر التليفون الجوال كانت فكرة انعتاق من ديكتاتورية المجتمع الخانقة، والآن وبعدعشرات السنين من الاستخدام نعرف بجلاء أن تحديث الأدوات لا يعني بالضرورة تحديث المحتوى.إذ لم يغير التليفون أو «تويتر» أو «فيسبوك» لغتنا، فقط جهلها ذات وهج إلكتروني أزرق، أي جهل بالألوان، أوتخلف أزرق.
الناظر أيضا إلى شاشاتنا وفضائياتنا الكثيرة يدرك رغم تعدد الوسائل أنه ومنذ أن فضحت مجلة «الشراع»اللبنانية قصة «إيران – كونترا»، لم تفجر في القرن الماضي ولم تفضح أدواتنا الجديدة قصة ذات بالبالمعلومات، بل أصبح شعار المرحلة «الرأي والرأي الآخر». الرأي لا المعلومة. وفرق بين مجتمعات المعلومات
ومجتمعات الرأي.أصبحت فضائياتنا مصاطب إلكترونية. عقلية الحارة والتجمعات الإلكترونية ذاتها ولكن بلون الشاشات.
الخوف من «السوشيال ميديا» مبالغ فيه، وحديث أن الثورات كانت نتيجة «فيسبوك» و«تويتر» كانت أكبردعاية كوربوريت عرفها التاريخ في العالم الثالث لشركتي «تويتر» و«فيسبوك» وسواهما. الدعاية البراقة هيالتي أنتجت ظاهرة تحديث التخلف والمثلية الثقافية. إذن لا خوف من مكتوب يشبه المحكي في الثقافات الشفوية

