الخدعة
كشف أخيًرا في أميركا وبريطانيا أن اثنين من أشهر أصحاب «الوجوه الطيبة» كانا يخفيان قلًبا رديًئا. الأول، بيل كوسبي، النجم الأفروأميركي الذي لعب على الدوام دور الأب الحاني، والجار المتعاطف، وأستاذ المدرسة
المتفهم والواسع الصدر. الثاني جيم سافيل، الذي كان يقدم طوال سنين برامج الأطفال على «بي بي سي» فيستقبلهم ويوزع عليهم الهدايا والنصائح والألعاب. تبين أن كوسبي كان يستدرج النساء ويخدرهَّن ثم
يعتدي عليهَّن. وقد أقامت كثيرات دعاوى عليه في هذا الصدد. لم يستطع النفي. أما سافيل الذي توفي من سنوات، فقد تبين أنه كان يعتدي على الأطفال الذين يستضيفهم، ويخفي خلف صورة الوجه الضاحك حقيقة
وحش بشري لا حدود لإدانته.
ما هو أصعب شعور في الحياة؟ نسميه غالًبا، الصدمة، وأحياًنا نصفه بالخيبة. ولكن في النهاية له اسم واحد، أو نعت واحد، هو الخداع. إن أقصى شعور يتمّلكنا هو عندما يتبين لنا أن صديًقا، أو رفيًقا، أو سياسيا، أو
أستاًذا، أو حتى ممثلاً لا نعرفه إلا من الشاشة، قد خدعنا جميًعا. أذكر أنني شاهدت بيل كوسبي في أحد مطاعم جنوب فرنسا ذات مساء، وأتذكر كيف هّفت إليه نفوس الحاضرين بمن فيهم أنا. لم تكن المسألة قدرته
على التمثيل، أو طاقته على الأداء، وإنما صورته كإنسان طيب ورجل وديع يقابل مشاكل الحياة بالابتسام والدعابة. أتساءل اليوم هل في الإمكان أن أشاهد بعد الآن حلقة من حلقاته؟ أعترف أنني في هذه المسائل
مثل طفل صغير. كنت مولًعا بقراءة سمرست موم أيام الشباب، فلما قرأت سيرته المشينة، لم يعد في إمكاني أن أقرا حتى عناوينه. حدث هذا مع كّتاب كثيرين آخرين، بينهم نورمان ميلر وترومن كابوتي والساخر غوبر
فيدال، الذي قال قبل وفاة أحد منافسيه: «إنها، أي وفاته، هي أفضل عمل أدبي قام به».
القاعدة العامة لدى الناس هي أن يفصلوا بين العمل الأدبي، أو الفني، وبين أصحابه. ويؤسفني أنني لم أبلغ هذه المرحلة من النضوج. وما زلت أهتم بسيرة الكّتاب والمؤلفين بقدر اهتمامي بنتاجهم. ويصعب علي عندما
ُيكشف تفصيل صغير غير لائق في حياة بعض العمالقة، (مع أننا جميًعا بشر وضعفاء ومعّرضون للخطأ) أن أستمر في قراءتهم كما كنت أفعل من قبل.
وقد لا يعود ذلك مهًما إذا كان الكاتب صادًقا مع نفسه، وتولى هو الاعتراف بالخطايا، كما فعل جان جاك روسو في تحفته الشهيرة «اعترافات». بمعنى آخر أن القسوة الكبرى هنا ليست في النص أو في السيرة الشخصية،
وإنما هي في الخدعة. لا أحد منا يتساهل في الخداع، مع البعيد أو القريب.
وعندما نتذكر معالم الأسى في حياتنا، ننتبه إلى أن الأكثر ألًما هو حوادث الخدعة. حتى في السينما يتألم الإنسان أن «بطله» قد خدعه.َتبا لك يا بيل كوسبي.

