مجالس النواب تبدد أموال الشعب في رحلات سياحية
لقد أنعم الله علينا في هذا البلد بمجالس نواب تتفانى في خدمة الوطن والمواطنين ، وتحرص على مصالحهم . ولهذا فقد استنبطت هذه المجالس مهمة جديدة لأعضائها لم يرد لها ذكر في الدستور الأردني ، ألا وهي ” مهمة السياحة والسفر ” . ويجري تنفيذها بترتيبات يسنها رؤساء المجالس المتعاقبة . فهم من يحددون ارسال الوفود أو عدمها ، ويحددون عدد أعضائها ، ووجهة سياحتها ، وعدد الأيام التي تقضيها في الخارج ، لحضور اجتماعات شكلية لا تحقق الغاية المطلوبة . ومن يحالفهم الحظ بالمشاركة في تلك الوفود يتمتعون عند سفرهم بامتيازات الدرجة الخاصة ، من حيث التنقل والمياومات والسُلف المالية .
تجري المشاركة في الاجتماعات البرلمانية تحت عناوين مختلفة مثل : المؤتمرات البرلمانية الدولية والعربية والإسلامية ، مؤتمرات الاتحاد البرلماني الدولي ، مؤتمرات البرلمان الأوروبي ، مؤتمرات البرلمان الأورو متوسطي ، اجتماعات الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط ، زيارة مجلس العموم البريطاني ، المشاركة في اجتماعات العلاقات الثنائية الدولية في الإكوادور ، وغيرها من المؤتمرات والاجتماعات المماثلة إقليميا ودوليا . وبناء عليه تجوب وفودنا دول العالم على مدار العام بذريعة اكتساب الخبرات ، وتطوير العمل البرلماني في مجالسنا الموقرة .
لا أعرف ما هي الخبرات التي اكتسبها السادة النواب من خلال زياراتهم السابقة ، التي طافوا بها حول الكرة الأرضية ابتداء من الجبل الأسود ووصولا إلى اندونيسيا والإكوادور ، طالما أنهم لا يقدمون تقارير تبين تفاصيل زياراتهم والمعارف الجديدة التي اكتسبوها من هذه الرحلات . فنحن المواطنين لم نلمس أي تطور حدث في أداء نوابنا ، سوى البحث عن مصالحهم الخاصة ، والتغيب عن الجلسات الهامة التي تبحث في قضايا الوطن . وكمثال بسيط على هذه الرحلات ، فإن طلاب المدارس عندما يقوموا برحلة داخلية ، تطلب منهم إدارة المدرسة كتابة موضوع إنشائي ، يوضح مدى استفادتهم من تلك الرحلة المدرسية. وفي القوات المسلحة تقدم الوفود العائدة من الزيارات الخارجية ، تقارير مفصلة عن مشاهداتهم واجتماعاتهم وبيان تواصيهم عما يمكن إدخاله في أنظمة القوات المسلحة على ضوء تلك الزيارات .
من الواضح أن رئيس مجلس النواب يتمتع باستقلالية تامة فيما يتعلق بإرسال الوفود إلى الخارج ، دون الرجوع إلى أية جهة أخرى في الدولة . وللتذكير بفعل من هذا القبيل حدث في الماضي ، فقد سؤل رئيس مجلس نواب سابق عن كثرة عدد الوفود النيابية المسافرة إلى خارج البلاد وتحميل الدولة أعباء مالية كبيرة . فأجاب بأن تكاليف تلك الزيارات يجري تغطيتها من موازنة المجلس النيابي ، وكأن تلك الموازنة ليست مقتطعة من موازنة الدولة .
وللوقوف على حقائق الزيارات الخارجية لمجلس النواب ، فقد تمكن الصحفي وليد حسني مشكورا ، من اقتحام جدار السرية النيابي ، وتقديم تحقيق مفصل حول هذا الموضوع نشره في صحيفة ” العرب اليوم ” على حلقتين يومي 12 و 13 / 5 /2014 ، كشف به الستار عن بعض ممارسات رئيس وأعضاء مجالس النواب المتعاقبة دون تقدير للمسؤولية . وأشار الصحفي من خلال تحقيقه ، بأن 104 نواب من المجلس الرابع عشر أمضوا أكثر من 5 آلاف ليلة خارج المملكة في 76 بلدا . ثم أُسدل ستار السرية فيما بعد على رحلات مجلسي النواب الخامس عشر والسادس عشر .
وها نحن نكتشف الآن بأن المجلس السابع عشر ، يمارس النهج السابق نفسه في تبديد الأموال العامة ، دون اعتبار للوضع المالي والاقتصادي الذي تعاني منه الدولة . ولكنه طور أسلوبا جديدا لإرسال الوفود في الزيارات الخارجية ، بحيث يتم اعتماد الكوتا للكتل النيابية التسعة بعيدا عن الاختصاص والخبرة. وبين الصحفي القدير أيضا أن 116 نائبا من المجلس السابع عشر ، أمضوا خارج المملكة 867 ليلة في 33 دولة خلال ثلاثة عشر شهرا ، تلقوا خلالها مبلغ ( 255400 ) دينار .
أما صحيفة السبيل الأردنية الصادرة بتاريخ 10 نيسان 2014 ، فقد نشرت على صفحاتها بأن الحكومة رصدت في موازنة هذا العام مبلغ ثلاثة أرباع مليون دينار ، لتغطية نفقات سفر النواب والأعيان في الزيارات الخارجية . كما رفعت مخصصات مجلس النواب من 5 ملايين دينار في العام الماضي ، إلى 6,3 مليون دينار في العام الحالي . وهذا ما ما يناقض تصريحات رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور في ترشيد الاستهلاك وتقليص المصروفات الحكومية . ولكننا في المقابل توقعنا أن يتبرع السادة النواب بنصف رواتبهم للخزينة لا أن يزيدوا عجزها ، لا سيما وأن معظمهم من المقاولين وميسوري الحال .
النائب الأول لرئيس مجلس النواب السيد أحمد الصفدي ، أدلي بتصريحات للصحافة حول هذا الموضوع أقتطف منها ما يلي : ” أن تلك الوفود البرلمانية تمثل الأردن في المؤتمرات البرلمانية الدولية والعربية والإسلامية ومؤتمرات أخرى تتعلق بالعمل البرلماني ، ولا تذهب في نزهات كما يحاول البعض إشاعته “. ” إن سفر النواب يمنحهم خبرات جديدة من المفترض أن تنعكس إيجابا على أدائهم التشريعي والرقابي “. ” من أهم المشكلات التي تواجه المجلس أن معظم تلك الوفود لا تقدم أي تقارير موسعة وموثقة عن النشاطات التي قامت بها في الخارج والنتائج التي ترتبت على تلك الزيارات خاصة إذا كانت تتعلق بمشاركات دولية ” . ” إن مجلس النواب يخضع في تشكيل وفوده إلى اعتبارات لا تستند إلى الخبرة والتخصص بقدر خضوعه لاعتبارات أخرى تتعلق بمراضاة النواب من أجل تأمين سفرهم إلى الخارج ” .
هذه التصريحات لسعادته تكشف بعض الحقائق وتغطي على البعض الآخر ، ثم تتناقض مع بعضها في حين آخر . ومع هذا فإنني أود أن أسأله : ما هي الخبرة التي اكتسبها النواب من مشاركاتهم بالاجتماعات الإقليمية والعالمية في مختلف بقاع الأرض ؟ هل زادت خبرتهم في البحث عن رفع رواتبهم التي يفترض أن تكون مكافآت خلال عمر المجلس فقط ؟ أم هي في مطالبتهم بتقاضي رواتب تقاعدية طيلة الحياة ، دون اشتراكهم بصناديق التقاعد للمدة المقررة ؟ أم بالمطالبة بتخصيص سائق لكل نائب من الأمن العام ، أم هي بالشتائم وعروض المصارعة وتحويل قاعة المجلس تارة إلى ميدان رماية ، وأخرى إلى قاعة احتفال بعيد الميلاد ؟ أم هي في تسابقهم بالتغطية على قضايا الفساد دون محاسبة للفاسدين ؟
وإن كنا لا نلوم النواب على تصرفاتهم ، طالما أننا خبرناهم منذ بداية تشكيل هذا المجلس ، إلا أننا كمواطنين دافعي ضرائب نسأل أصحاب القرار في الدولة : كيف تتم كل هذه الزيارات السياحية تحت مسميات شكلية لا فائدة حقيقية منها ، في دولة تشكو من عجز في موازنتها ، وتنوء بحمل كبير من المديونية ، لنواب يفترض بهم أن يكونوا أحرص الناس في الحفاظ على أموال الدولة ، لاسيما وأنهم الجهة الرقابية التي تحمل هذه المهمة الثقيلة ؟ كيف لحكومة لم تبقٍ جانبا من الجوانب المعيشية إلا وفرضت عليه الضرائب المجحفة بدعوى مواجهة العجز المالي ، وتدعي بتطبيق سياسة التقشف رغم أن نوابها سائحون في دول العالم على حساب الخزينة المنكوبة ؟ وهل يحق لكل مسؤول أن يتصرف ( بمزرعته الرسمية ) حسب رغباته لكسب الشعبية الرخيصة دون تقدير للمسؤولية ؟ ألا يوجد في هذه الدولة رجل رشيد يرأف بالوطن والمواطنين ويضع حدا لمثل هذه المهازل التي يقترفها نواب الشعب ؟
وفي هذا السياق أحب أن أسرد القصة التالية : في عام 1983 أتيحت لي الفرصة بحضور إحدى جلسات البرلمان البريطاني . وكانت هناك مساءلة لرئيسة الوزراء البريطانية آنذاك السيدة مارجرت تاتشر ، من قبل أعضاء البرلمان حول زيارتين رسميتين ، قامت بهما خلال شهرين إلى كل من واشنطن وباريس ، موجهين لها اتهاما بتحميل الدولة أعباء مالية لا لزوم لها . فأجابت تاتشر بأنها ترأست وفدا مؤلفا من شخصين لمهام رسمية لم تتجاوز مدتها يومان في كل من العاصمتين . وبأنها استقلت الطائرة مع وفدها الصغير كركاب عاديين وليس بطائرة خاصة . وفي إقامتها هناك نزلت في منزل السفير ، واستضاف موظفو السفارة بقية أعضاء الوفد في منازلهم ، دون اللجوء إلى السكن في الفنادق توفيرا للنفقات على الدولة . وقبل أيام شاهدنا صورة لرئيس وزراء بريطانيا الحالي ديفد كامرون ، وهو يقف بجانب مقصف للركاب يقرأ الجريدة ، منتظرا الحافلة العمومية ليتنقل بها إلى المكان الذي يقصده ، دون أن يعيره الجالسون في المقصف أي اهتمام أو يفسحوا له مكانا للجلوس . فهل يقتدي نوابنا الذين زاروا مجلس العموم البريطاني وغيرهم من نواب الزيارات الخارجية بهؤلاء المسؤولين ؟
من المعروف أن معظم أعضاء مجلس النواب الذي وصل تعداده إلى 150 نائبا ، هم من رجال ( البزنس ) الذين احتلوا المقاعد تحت قبة البرلمان بقوة فلوسهم في مجالس متكررة ، ولن يترجلوا عنها طالما أنهم قادرون على التنفس . هؤلاء الرجال يملكون أرصدة بنكية يمكن تسليطها على الفقراء لشراء أصواتهم سرا في أي انتخابات برلمانية قادمة ، حتى لو لم يقدموا لهم أو للوطن أية خدمة مميزة . وهم بهذه الحالة لن يسمحوا بتداول السلطة في عضوية البرلمان مستقبلا ، إلا إذا فُرضت تشريعات جديدة تمنع النائب من تكرار عضويته لأكثر من مجلسين .
في الختام أتمنى على جلالة الملك بأن يعفينا من مجالس النواب لعشر سنوات قادمة على الأقل ، وأن يعتمد ديمقراطية خاصة بنا تمليها الظروف الراهنة ، من خلال مجلس شورى لا يزيد عدد أعضائه عن ثلاثين شخصا من غير الوجوه المألوفة ، بل من الأنقياء المعروفين بوطنيتهم ونظافتهم ، لكي نوفر على الدولة ما لا يقل عن مليار دينار سنويا ، وأراهن بأننا سننجز أعمالنا النيابية بصورة مثالية ، دون استعراضات خطابية ورحلات سياحية لنواب يجوبون بها أرجاء الكرة الأرضية ، على حساب المواطن الفقير ولقمة عيشه.

