صحيفة الكترونية اردنية شاملة

مدارج الفهم الصحيح للأحوال العربية

0

إن ما نراه في بعض دول ما بعد الاحتجاجات العربية لا يبشر بخير… ولا يستضيء من المسلّمات المحددة للديمقراطية الحقيقية إلا قليلاً، بل إن دولاً إذا بقيت في هذه الحالة فإن عقوداً من البناء ستنهار وكيان الدولة بأسره سيتوقف؛ كما لا يخفى على كل ذي عقل لبيب أن التجارب الوطنية تختلف من بلد إلى آخر ولكن هناك دروساً عامة يمكن استقاؤها ودروساً خاصة يمكن استنتاجها من كل دولة نظراً لإرثها التاريخي والبشري.

ولا غرو أن الأحداث السياسية العربية المتتالية منذ الزلزال الشعبي الذي ضرب أعماق المجال السياسي العام في تونس في 17 ديسمبر 2010، جعلت أكثر من خبير وأكثر من مختص في حيرة من أمره من ماَل التغييرات. فالأحزاب الإسلامية لم تكن يوماً من الأيام طرفاً في معادلة انتفاضة الشوارع وفي ميادين التحرير، ولم يكن حتى في حسبانها تصور بسيط لما سيقع، فإذا بها بين عشية وضحاها تتربع على كراسي رئاسية وحكومية وبرلمانية باسم صناديق الاقتراع والاحتكام إلى قواعد اللعبة السياسية‏‭ ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬يخرج‮ ‬بعضها‮ ‬من‮ ‬الحكم‮ ‬بكثير‮ ‬من‮ ‬الأضرار‮ ‬كما‮ ‬هو‮ ‬شأن‮ ‬مصر‮ ‬وبأقلها‮ ‬كما‮ ‬هو‮ ‬شأن‮ ‬تونس‮ ‬حالياً.

ومنذ سنتين كنا نقرأ في التحليلات الفكرية عن: «تسونامي إسلامي»؛ وأن «ضعف النضج السياسي عند الناخبين جعلهم يصوتون دون دراية»؛ و«ربيع إسلامي سيتبعه لا محالة خريف وخراب سياسي»؛ و«مرحلة انتقالية لم تتحكم آلياتها بعد»؛ و«سلطوية سياسية بلباس ديني»… وحينما كان الآخرون يقولون: «لأول مرة يطبق مفهوم حكم الشعب بالشعب»، وإن «وصول الأحزاب السياسية إلى الحكم نتيجة طبيعية لزوال الأنظمة الديكتاتورية التي كانت تأتي على الأخضر واليابس»؛ و«أحقية الأحزاب السياسية في الحكم ارتأتها أصوات الناخبين»… أسئلة وتخمينات وأفكار عديدة تبعتها أفكار وتخمينات وأسئلة مضادة وسجال فكري في بعض الأحيان عقيم يعبر عن خواطر ذاتية ونزوات داخلية بدل أن يحتكم إلى أدوات الفكر والقواعد داخل المجال السياسي العام كما جاءت به أهم القواعد في العلوم السياسية كعلم إنساني واجتماعي فيه قواعد وأسس على شاكلة القواعد الرياضية والفيزيائية وفي الطب والهندسة وعلوم الإحياء. فلا يمكن أن يتداوى الإنسان بالخواطر الذاتية، بل بالأدوية الصحيحة والدراسة الطبية المتميزة.. ولا يمكن لربابنة الطائرة أن يكونوا سائقي شاحنات غير محترفين ولا متدربين، ولا يمكن تدبير إدارة قطاع بنكي أو مصرفي بدون بنكيين ومصرفيين مقتدرين يخضعون لقواعد التسيير والقواعد البنكية المتعارف عليها.. ونفس الشيء يقال عن المجال السياسي العام وأدواته؛ إذ لا يمكن لتلك الأدوات أن تأتي من فراغ أو أن تختزل في مسارات أو أجهزة تنافي الطبيعة السياسية التي تفهمها وتسيرها العلوم السياسية كما هو شأن جل المجالات السياسية الديمقراطية التي كشفت عن نجاحها منذ عقود.

إن على الدارس للحالة العربية التخلي عن الأفكار المسبقة وإشاحة النظر عن النظريات المزيفة وازدراء الشعارات الرنانة والمدوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وعليه تجاهل التفسيرات السهلة بحثاً عن الحقيقة النافعة انطلاقاً من الدراسات الأكاديمية والعلمية التي ننشدها؛ ويجب أن نقف في موقف العلم الصحيح لا أكثر، لا تطاله اعتبارات السياسة كسياسة بل السياسة كعلم، فلأهل السياسة اعتبارات لا يقفون عندها كما يقف المختص في أدبيات العلوم السياسية؛ ويجب أن يكون الهم هنا كما كان هم ابن خلدون منحصراً في التفسير والتعليل والنقد الفكري البناء للرقي بأحوالنا كما كان ابن خلدون منكباً على فقه أحوال العرب من البدو والحضر، من عاربة ومستعربة، من عدنان وقحطان، يتجول في أمصار بلاد العرب متعرفاً عليها، متقرباً من أهل السيف ومجادلاً أهل القلم.. وينبغي الابتعاد عن الدارج من الشعارات ومجابهة السائد من الأفكار للوصول بالتحليل إلى مدارج الفهم الصحيح للمجال السياسي العام الذي يجب أن يحميه الفاعلون من بعض المخاطر كالزج بالدين في السياسة والسياسة في الدين؛ وقبل هذا وذاك يجب على الباحث أن يكون همه كهمّ ابن خلدون منصباً على أمة عربية حلم بقيامها وعمل لنهضتها واجتهد لتحقيق عزتها بين الأمم، بصفاء بصيرة واقتناع فكري عميق.

والمجال أو الحقل السياسي كما كتبنا ذلك مراراً هو ملك عمومي بامتياز لا يمكن تقسيمه أو تبنيه من فئة دون أخرى باسم الدين أو باسم أي شعار آخر؛ وكم ظن ظان أن الانتخابات الأخيرة التي عرفتها أقطار عربية هي قطيعة مع النزعة الشمولية السابقة، التي تئد التنوع والتعدد، والقبول بمبدأ الاختلاف كقاعدة للعقد السياسي الديمقراطي، وهذا كلام صحيح. ولكن ماذا وقع عندما لم تستبطن بعض الأحزاب فكرة الدولة، وفكرة المجال السياسي العام، وماذا وقع عندما لم يوطن الخاص والعام في نسيجه الثقافي والنفسي الوعي الديمقراطي الصحيح؟ وقعت الكارثة طبعاً. الديمقراطية ليست هي فقط صناديق الاقتراع وإنما هي أيضاً وعي وثقافة وسلوك وإيمان راسخ واستبطان لفكر الدولة وتوطينها في النسيج الثقافي والنفسي.

وعين الصواب في العلوم السياسية وأدبيات الانتقال الديمقراطي أن رياح الديمقراطية إذا هبت ونمت فإن صناديق الاقتراع تكون هي الحكم الفيصل، وتكون الأحزاب السياسية هي الممثل والمجسد للتطلعات الاجتماعية، وتكون هي المتبارية داخل حلبة الصراع السياسي، وكل حزب يجب أن يكون جزءاً من اللعبة السياسية كباقي الأحزاب، ويجب أن يكون هناك إجماع على قواعد اللعبة السياسية وأن يكون هناك قانون أسمى وهو الدستور المتوافق عليه وإلا نشبت الفتن ما ظهر منها وما بطن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.