المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية
زار وزير الخارجية الأميركي الأراضي الفلسطينية وإسرائيل في الأسبوع الماضي للمرّة العاشرة منذ تسلمه هذا المنصب عام 2013، وقد حاول إقناع نتنياهو بضرورة التوصّل إلى اتفاقٍ إطاري مع الفلسطينيين تُوضع فيه الملامح الرئيسية لاتفاق سلام مستقبلي يقضي بإقامة دولة فلسطينية مستقلّة عاصمتها القدس الشرقية، ولها ممرّ استراتيجي برّي يربط الضفة بغزّة، وتقوم على عودة محدودة للفلسطينيين إلى أراضيهم الأصلية، كما تسمح بمرابطة جنود دوليين على الحدود الشرقية لفلسطين في غور الأردن، مع تبادل للأراضي، وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية.
والحقيقة أنّ هذه الدورة من المفاوضات بدأت في يوليو الماضي، تحت ستار من السريّة، وبإشراف من شخصيتين سياسيتين من اليهود الأميركيين، هما مارتن أنديك، السفير الأميركي السابق في إسرائيل، وفرانك لوينستين.
وفي البداية، حاول الطرفان -الإسرائيلي والفلسطيني- إبداء حُسن النيّة تجاه بعضهما بعضاً، فامتنعت السلطة الفلسطينية عن تقديم طلبات إلى بعض المنظمات الدولية للحصول على اعتراف رسمي بها، مثلما فعلت من قِبل مع هيئة اليونيسكو والجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما قد يعطيها اعترافاً قانونياً دولياً، وإن لم يكن مكتمل الجوانب.
ومن ناحيتها، وعدت إسرائيل بإطلاق سراح بعض السجناء الفلسطينيين القدامى في السجون الإسرائيلية الذين أمضوا أكثر من عشرين عاماً في سجونها، ويبلغ عددهم حوالي 104 سجناء. علماً بأنّ إسرائيل سبق وأن وافقت على إطلاق سراح هؤلاء السجناء في اتفاقية شرم الشيخ عام 1999، إلا أنها أخّرت الإفراج عنهم في ذلك الحين.
وفي البداية، لم يكن المفاوضون الأميركيون جادّين في التدخّل إلى أن هدّدت السلطة بأنّ المفاوضات يمكن أن تنهار إذا لم يكن هناك تدخّل أميركي فعّال من أجل إنقاذها.
ومن جهتها، وضعت الولايات المتحدة سقفاً زمنياً بحلول شهر أبريل القادم كموعدٍ نهائي لتوقيع اتفاقية إطارية شاملة. ويحاول نتنياهو الاستمرار في بناء المستعمرات الإسرائيلية في القدس الشرقية والضفة الغربية لوضع المفاوضات في مأزق، وإجبار الجانب الفلسطيني على القبول بوجود هذه المستعمرات. ومن ذلك إعلان نتنياهو بناء تسعمائة منزل جديد في القدس الشرقية، و1200 مستعمرة جديدة في الضفة الغربية، بالإضافة إلى المستعمرات القائمة. وقد أدانت بعض الدول الغربية، مثل بريطانيا، علناً إنشاء هذه المستعمرات والمنازل الجديدة، باعتبارها عقبة في طريق مفاوضات السلام، بينما اكتفت الإدارة الأميركية بإدانة إنشاء هذه المستعمرات بشكلٍ خجول وعبر الكواليس الدبلوماسية. كما أعلن نتنياهو مؤخراً أيضاً خطّة جديدة لبناء 3500 منزل جديد في المستعمرات القائمة في الضفة الغربية.
وتحاول إسرائيل، عبر بقائها في هذه المفاوضات، أن تبيّن أنها تتماشى مع الرغبات الأميركية في إيجاد حلّ جذري للقضية الفلسطينية. وتنظر الولايات المتحدة للعالم العربي والإسلامي بنظرة استراتيجية، وترى بوضوح أنّ نفوذها يتراجع فيها بسبب مواقفها التاريخية الداعمة لإسرائيل، كما تنظر إلى التغيّرات الجذرية في العالم العربي، ومع أنّ هذه التغيّرات قد تضعف النظام العربي الإقليمي في المدى القصير، إلا أنها قد تؤسّس لقيام نظام إقليمي مستقلّ في المدى الطويل، الذي سيتجاوب مع متطلبات شعبية لتحرير فلسطين بدلاً من قبول طروحات الأمر الواقع والسكون إلى استمرار الاحتلال.
وبين فترةٍ وأخرى، تظهر بعض التصريحات الصادرة عن المفاوضات، وبعضها يُزرع للتضليل. فمثلاً، ظهرت قبل فترة قصيرة تسريبات بفكرة ضمّ أجزاء من شمال فلسطين، أو ما يُسمّى بالمثلث، الذي يضمّ غالبية فلسطينية عربية إلى الضفة الغربية، كجزء من صفقة تقبل السلطة فيها ببناء كُتل استيطانية إسرائيلية ضخمة على أراضيها، وكذلك بقاء هذه المستوطنات الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القدس الشرقية.
كما أنّ تعريف القدس الشرقية في المفهوم الإسرائيلي ينطبق فقط على الحرم الشريف، وبعض الأحياء القريبة منه، وليس على كامل المدينة.
وتحاول إسرائيل جاهدة إقناع الجانبين، الفلسطيني والأميركي، بمدّ أمد المفاوضات إلى ما بعد الموعد المضروب لها في أبريل القادم. وهي في الوقت نفسه تقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتُنشئ المزيد من المستعمرات، وتزرع مستوطنيها على هذه الأراضي، معطيةً إيّاهم محفّزات ضريبية ومالية وتسهيلات كبيرة، هذا إذا لم تكن لديهم أصلاً دوافع دينية وصهيونية للهجرة إليها والاستيطان فيها.
ويبدو أنّ نتنياهو وحكومته غير قادرين على إدراك نقطة جوهرية، هي تحوّل الرأي العام في الغرب، خاصةً في الدوائر المتعلّمة، وفي الجامعات، ضد سياساتها الاستعمارية. وهو ما وضح مؤخراً في تصويت بعض الهيئات الأكاديمية على مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، بسبب دعم هذه الجامعات لسياسات الاحتلال والاستيطان.
كما أنّ بعض الجامعات الأميركية قد بدأت منذ عام 2002، بتبنّي سياسات تفرض على إداراتها منع استخدام أموالها في الاستثمار في شركات في إسرائيل. وعلى رغم أنّ هذه الإشارات الإيجابية تبدو رمزيّة في المقام الأول، إلا أنّها تشير بوضوح إلى أنّ هناك تحولاً، وإن كان تدريجياً، في الرأي العام الأميركي، ضد إسرائيل وسياساتها الاستعمارية والتوسّعية.
ومن ناحيةٍ ثانية، فإن عالم اليوم يتطلّع إلى الدبلوماسية، وليس إلى القوة، لحلّ المعضلات القائمة التي تهدد السلم العالمي، ومنها قضية احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية.
وفي الوقت ذاته، فإنّ الفلسطينيين الذين عاشوا آلام الشتات والعيش تحت ظروف غير إنسانية في مخيمات اللاجئين خلال ستين عاماً لا يستطيعون أن يمضوا بقية حياتهم في هذه المخيمات على أمل تغيّر الرأي العام في الدول الغربية الداعمة لإسرائيل.
الاتحاد

