رئيس الوزراء العراقي يكافح حريقا عمل على إشعاله
عادت الفلوجة إلى ماضيها الجريح. إنها المدينة التي خربها الهجوم الأمريكي في عام 2004، في واحدة من أكثر الحلقات دموية في تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق.
سقطت هذه المدينة السنية في قبضة جهاديين الأسبوع الماضي، وبقيت منذ ذلك الحين تواجه تهديدا بهجوم واسع النطاق يمكن أن تشنه الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة في العراق.
واليوم، مثلما كان الحال قبل عشر سنوات، تشكل الفلوجة مشكلة سياسية كبيرة. إنها مشكلة نزع حقوق انتخابية للسنة في العراق، وهي مشكلة من غير المرجح أن تُحَل بالمدفعية أو الدبابات.
صحيح أن الفلوجة تشتهر بأنها مدينة يغلب عليها التمرد، وما زالت هذه الشهرة في الذاكرة منذ الهجوم الأمريكي على العراق الذي بدأ إثر قتل مقاولين أمريكيين وترك جثثهم معلقة على أحد الجسور.
وحتى في الوقت الذي أعاد فيه أهل المدينة إعمارها، تُرِكت بعض البنايات مهدمة عن عمد، من أجل تذكيرهم بالهجوم، وبمقاومتهم له.
لكن تعلمت الفلوجة في السنوات الأخيرة كيف تعبر عن تحديها بالطرق السلمية. وقد وجدتُ في إحدى الزيارت التي قمتُ بها في أوائل السنة الماضية، كيف يقوم شيوخ القبائل وعلماء الدين بنصب مخيمات للتظاهر فيها، بدلاً من تفجير القنابل للتعبير عن ثورتهم ضد بغداد.
كانت هذه الاحتجاجات التي غلب عليها الطابع السلمي جزءاً من تمرد في مقاطعة الأنبار الغربية ضد رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، الذي يبدو أنه يرى في الأقلية السنية تهديداً له، الذي عملت سياسته تجاههم على تفاقم إحساسهم بالتهميش والعزلة.
وأخذ الشعور بالسخط منحى عنيفاً في نيسان (أبريل) الماضي، بعد أن لجأت الحكومة إلى فض معسكر اعتصام بالقوة خلف 50 قتيلاً. وتصاعد التمرد أكثر في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، مع إلقاء القبض على أحد أعضاء مجلس النواب من السنة والهجوم على المتظاهرين.
وتشير التقارير الواردة من العراق إلى أن رد الفعل العنيف للسكان المحليين، دفع الجيش بعيداً عن المدن السنية، لكنه ترك في الوقت نفسه الباب مفتوحاً أمام المقاتلين المنتسبين للقاعدة للدخول إليها. وبالفعل اجتاح الجهاديون مراكز الشرطة في الفلوجة وأقاموا نقاط تفتيش فيها.
والمالكي، التواق إلى إظهار مؤهلاته كرجل قوي قبيل الانتخابات التي تجري في نيسان (أبريل) المقبل، التي يرجو من خلالها تأمين فترة حكم ثالثة، حذر زعماء الفلوجة المحليين مطالباً إياهم بإخراج القاعدة من بلداتهم، أو مواجهة هجوم عليهم. وقد صدرت تقارير بالأمس تشير إلى محاولة زعماء القبائل إبعاد الجهادييين عن مناطقهم.
ومهما كانت رمزية القتال الدائر في الفلوجة، فإن ما يحدث لن ينهي الأزمة. وكما قال كينيث بولاك، الخبير في مؤسسة بروكنجز، أمام لجنة في الكونجرس الأمريكي في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، العنف المتزايد وعودة رجال القاعدة هما فقط من أعراض الأمراض التي يعانيها العراق.
وأضاف: “التعامل مع صعود القاعدة وإيقافها وردها على أعقابها يعني ضمنياً التعامل مع مشاكل العراق السياسية، وعلى وجه الخصوص معالجة مشكلة تجدد استبعاد قبائل العراق السنية”.
كان اللوم يقع على سياسات الولايات المتحدة لتهميشها الأقلية السنية بعد اجتياحها العراق عام 2003. غير أن الولايات المتحدة اعترفت فيما بعد بأخطائها، وشجعت دمجهم سياسياً في الحكم، وجندت القبائل السنية لقتال القاعدة.
لكن المالكي ألغى كل هذه المكاسب. وقالت مجموعة الأزمات الدولية، في تقرير نشرته في آب (أغسطس) الماضي، إن الحكومة العراقية عززت التصورات في الأذهان بأجندتها الطائفية، عندما استبعدت مسؤولين بارزين من مناصب في الدولة بسبب مزاعم عن ارتباطاتهم بحزب البعث السابق في العراق، ونشرت قوات من الحكومة المركزية بشكل غير متناسب في المناطق السنية، واعتمدت على استراتيجية فرق تسد، وهي السياسة التي عملت على إضعاف أي قيادة سنية عربية يوثق بها.
وحذر التقرير من أنه نتيجة لتشديد الضغوط من القوات الحكومية وتناقص الثقة بحل سياسي، فإن كثيراً من العرب السنة باتوا يستنتجون أن خيارهم الحقيقي الوحيد هو الصراع العنيف الذي بدأ يأخذ أشكالاً سرية.
ومن ناحية أخرى، زادت الحرب المستعرة في سورية من تعقيد الاستقطاب الطائفي في العراق. وشعر سنة العراق بأنهم قادرون على تحدي بغداد بسبب الدعم الإقليمي لأهل السنة في سورية.
ورأى المالكي في انتفاضة السنة في سورية جزءا من مؤامرة ضد الشيعة في كل من إيران والعراق. لكن أكثر ما يسبب الأضرار لكل العراقيين هو أن سورية أصبحت أرضاً خصبة للقاعدة، التي استطاعت من خلال فرعها في العراق تأسيس فرع لها في سورية وجذب مقاتلين جدد من جميع أنحاء المنطقة.
وربما يتمكن المالكي من خلال استعراض عضلاته في الفلوجة من وقف هجمات الجهاديين، لكنه يظل مع ذلك جزءاً كبيراً من مشكلة انزلاق العراق مرة ثانية إلى حرب دموية طائفية.
الاقتصادية

