أوباما كان يأمل إحداث تحول في العالم فتحول هو شخصًيا
عندما تولى باراك أوباما الرئاسة لم يكن تفوق الآمال التي بعثها في دولته سوى الآمال التي بعثها في الخارج. لقد تحدث أوباما عن تلك الآمال في خطابه الحماسي عن رئاسة «ستحدث تحولاً»، ولم تكن وعوده أقل قدًرا من ذلك. سوف تعود أميركا إلى الدرب، وتتعاون مع الدول الأخرى من أجل تجاوز تحديات عالم إلى الأزمة المالية والاحتباس
«مترابط» كما كان كثيًرا يطلق عليه، بداية من الإرهاب والفقر، وصولاً الحراري.
وجاء خطابه في برلين عام 2008 ،أي قبل بضعة أشهر من انتخابه، ليثير الحماس في نفوس الحشود المبتهجة، وبعد مرور أقل من سنة على توليه الرئاسة منحته هيئة التحكيم في أوسلو جائزة نوبل عن «رؤيته» لعالم من دون سلاح نووي، وكأنه كان شاعًرا لا رئيس دولة.
كانت التوقعات كبيرة إلى حّد لم يجعل الكثيرين يدركون التناقضات الكامنة في مشروع أوباما، الذي كان يسعى إلى الدخول بأميركا إلى حقبة تراجع نسبي، وتحقيق نتائج تحولية كبرى في الوقت ذاته. نظًرا لكونه القائد العام للقوات المسلحة امتنع أوباما عن الحديث صراحة عن القيود المتنامية على القوة الأميركية. مع ذلك لم يمر بها أحد بشكل حاد ومثير للإحباط أكثر منه.
بالفعل، حيث تصورت نظام ما بعد وكان من أسباب ذلك إرث فترة بوش الرئاسية، التي أحدثت تحولاً الحرب الباردة الذي تمتعت فيه الولايات المتحدة بسلطة وقوة غير محدودة. لقد صنع بوش واقًعا جديدا في الشرق الأوسط، وورط أوباما في حرب في العراق كان معارضا لها، وحرب أخرى في أفغانستان لا يمكن تحقيق انتصار فيها. ورغم سعي أوباما إلى الحد من تورط أميركا، كان يقدم نفسه كمطارد للإرهابيين أكثر حماسة من بوش، حيث استخدم اغتيال أسامة بن لادن كجزء أساسي من حملة ترشحه لفترة رئاسية ثانية،
رغم أنه لم يكن يخفي أنه يرى الإرهاب تهديدا وخطًرا مبالًغا فيه. وكان من اللازم اتخاذ إجراءات استثنائية للتخلص من إرث بوش المدمر بشكل استثنائي، لكن أثبت أوباما عجزه عن ذلك في أغلب الأحوال. إنه لم يحدث تحولا في العالم، بل تمكن العالم من إحداث تحول في شخصيته.
منذ ثمانية أعوام، كان خطاب أوباما، الذي توجه به إلى العالم الإسلامي من جامعة القاهرة عام 2009 ،بمثابة كشف حساب متزن للأخطاء السابقة، ودعوة فصيحة وبليغة لبدء كتابة صفحة جديدة في التاريخ.
وخلال العام الماضي قال الرئيس لجيفري غولدبيرغ، من مجلة «ذا أتلانتيك»: «القوة الحقيقية تعني قدرتك على الحصول على ما تريد دون الحاجة إلى استخدام العنف». وكان الدليل الأول على ذلك في سنوات رئاسة أوباما الاتفاق النووي الإيراني، الذي لم يمنع طهران سلمًيا من تصنيع سلاح نووي فحسب، بل بالتغير المناخي، والتقارب مع كوبا، نجا ًحا نادًرا؛ فالتاريخ الحديث ليس في اتجاه رؤية أوباما لعالم مترابط؛ بل على العكس من ذلك، يزداد قلق العالم، وأميركا نفسها، من النظام القبلي الذي أثار في نفسه الرعب خلال زيارته لأقاربه في كينيا. يتحدث أوباما في كتابه «أحلام من أبي» عن «الوصول إلى تضامن العالم الثالث باستخدام معادلات، وصيغ بسيطة»، لكنه يكتشف أن أكثر الكينيين «كانوا يستخدمون خرائط قديمة من صاغية.
الهوية، والولاءات الموغلة في القدم»، وأن نهجه الإنساني الحر لم يلق آذانً
قبل غزو العراق كان المسلمون سنة وشيعة يعيشون جنًبا إلى جنب، بل ويتزوجون من بعضهم البعض، في ظل حكم دول استبدادية، وتوازن قوى في المنطقة، ر ّسخ الاستقرار وإن لم يرسخ الديمقراطية. وضع بوش نهاية لهذا التوازن اله ّش، وتحررت العراق من قبضة صدام حسين، لكن كانت النتيجة حرًبا طائفية.
بتغيير هذا التوجه الأسود، وراهن أوباما في البداية على نجاحه، وجاء الربيع العربي حاملاً معه آمالاً متحدًيا حلفاء قدامى مثل المملكة العربية السعودية، ومقدًما دعمه للحركات المؤيدة للديمقراطية في كل من مصر وتونس. ورأى في هذه الثورات فرصة ليس فقط لتحسين صورة أميركا في الشرق الأوسط، بل لإنهاء عزلة العالم الإسلامي. ومن أنقاض الثورات العربية ينهض عصر جديد، لكن ستكون الأطراف الفاعلة فيه من الرجال الأقوياء والمسلحين الذين يحركهم الفكر القبلي؛ ولم يتوجهوا إلى الغرب للحصول على الدعم والإلهام بل من داخل المنطقة، وغيرهم من الأطراف الفاعلة في الإقليم ككل.
ووعد أوباما في خطابه إلى البرلمان التركي عام 2009 ،بألا ترتكز علاقة أميركا بالمسلمين وبالعالم الإسلامي
على معارضة الإرهاب فحسب. مع ذلك كان هذا ما حدث بالفعل، حتى إذا تم تغيير اسم «الحرب على
الإرهاب» إلى «القتال من أجل مكافحة التطرف العنيف». كانت الحرب تقوم على العمليات الخاصة،
والهجمات التي تنفذها طائرات تعمل من دون طيار، بدلاً من التعذيب، والغزو البري، لكن كان هناك بعض
القيود عليها هي الأخرى، وفي النهاية غطت مساحة أرا ٍض أكبر.
مها في
لقد دفن أوباما، بتقديمه نفسه كقائد مناهض للإرهاب، التعددية ذات الشرعية القانونية التي كان يعلّ
جامعة «هارفارد».
وفي الوقت الذي أثارت فيه عمليات الاحتلال، التي كان يقوم بها بوش، الغضب، كانت حرب أوباما
باستخدام الطائرات من دون طيار تثير بعض الجلبة التي تجاهلها أكثر الأميركيين. ولم تنجح في إقناع
العقول، ولا كسب القلوب؛ بل أكد إصراره على تجنب حدوث إصابات في صفوف الأميركيين، رغم توسيع
نطاق ساحة المعركة، الانطباع بأنه رغم كل حديثه عن التعاون والشراكة، لم يكن سوى شخص واقعي
وعملي يتسم بالوحشية والقسوة.
ن الدليل الأول على ذلك في

