ترامب ونهاية النظام الليبرالي العالمي
في مقال مهم لصحيفة «فايننشال تايمز» (11 نوفمبر 2016)، يتساءل المفكر الأميركي المعروف «فرانسيس فوكوياما»: هل يشهد العالم مع فوز «دونالد ترامب» بالرئاسة الأميركية نهاية العصر الليبرالي الذي بدا أنه انتصر في العالم كله بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة؟
فوكوياما يذهب إلى أن انتصار ترامب يعادل من حيث الأهمية سقوط جدار برلين 1989، ويعني نهاية حقبة المنظومة الليبرالية العالمية التي تشكلت عام 1950، معتبراً أن الاتجاه البارز حالياً هو هيمنة الأنظمة القومية التسلطية المناوئة للقيم الليبرالية الاقتصادية والسياسية، حتى في قلب الديمقراطيات العريقة.
في هذا السياق، يتعين حسب فوكوياما ربط ظاهرة ترامب بظواهر مماثلة، مثل سيطرة الجناح اليميني المعادي للمشروع الاندماجي الأوروبي في بريطانيا، وصعود التيار اليميني المتطرف في فرنسا، وإن كانت الحالة القومية التسلطية أبرز في روسيا وتركيا. فوكوياما يتبنى التحليل السائد في ربط هذه الظواهر بالتصدع الاجتماعي المتولد عن العولمة الاقتصادية التي عمقت الفوارق بين المدن والأحياء الغنية المندمجة في الاقتصاد العالمي الجديد والمناطق الريفية والصناعية التقليدية المتضررة من هذه الحركية، بما يفسر استناد التيارات القومية الصاعدة للقوى المحافظة الانكفائية الرافضة لمنطق التبادل الحر والسيادة المقاسمة.
من هذا المنظور يبدو ترامب منسجماً مع نفسه في قوميته الانعزالية اقتصادياً واستراتيجياً، بيد أن هذا الخط الصاعد بقدر ما يعرض مصالح الولايات المتحدة لمخاطر جمة باعتبار موقعها الريادي في المنظومة الدولية، فإنه يعرض الاقتصاد العالمي والسلم الدولي للانهيار (الرجوع لأزمات وحروب الثلاثينيات).
ما يخلص إليه فوكوياما هو أن مصدر التهديدات التي تتعرض لها حالياً المنظومة الليبرالية ليس البلدان التسلطية غير الديمقراطية، بقدر ما يتركز التهديد في قلب الأنظمة الديمقراطية التي اكتسحتها التيارات القومية غير الليبرالية.
في المنظور ذاته، خصصت صحيفة «الإيكونوميست» البريطانية ملفها الأخير لموضوع القوميات الجديدة (العرقية) التي ميزت بينها والقوميات الليبرالية التقليدية (القومية المدنية) التي كانت تؤسس تصورها للأمة على القيم المدنية وفي مقدمتها مبدئي الحرية والمساواة، مستنتجة خطر انفجار الصراعات بين قوميات متنافسة لا تؤمن بمبدأ الشراكة الدولية.
ما يتعين التأكيد عليه هنا هو التفريق بين القومية الانكفائية والاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية الذي هو التيار الغالب على قيادات الحزب الجمهوري الأميركي. من هذا المنظور ليس ترامب امتداداً للمحافظين التقليديين (المتنفذين في عهد ريغان) ولا المحافظين الجدد (المؤثرين في حقبة بوش الابن). أحد رموز الاتجاه الأخير، وهو «روبير كاغان»، كتب في صحيفة «واشنطن بوست» (11 نوفمبر) معلقاً على التوجهات الديبلوماسية للرئيس الأميركي الجديد معتبراً أنها لا تندرج في المنظور الواقعي الذي هو صياغة تأليفة معقدة بين المصالح والقيم ضمن توازنات تقتضي امتلاك الحس التاريخي وسلوك خط الاعتدال الحذر، منبهاً إلى أن مصالح أميركا الحيوية تتطلب الحفاظ على موقعها الريادي في العالم ودفاعها عن قيمها الليبرالية لا لأغراض أيديولوجية وإنما لنتائجها العملية المفيدة بالنسبة لاقتصاد الولايات المتحدة وأمنها.
القوميات الانكفائية الجديدة ليست بهذا المعنى محايدة أيديولوجياً، بل تقوم في بنائها النظري (الهش والغائم غالباً) على مقاربة تجمع بين التصور الاثني (العنصري أحياناً) للمجموعة السياسية والخلفيات الدينية المحافظة التي تشكل المحدد الأساسي للهوية الجماعية، بما ينجر عن هذا التصور المزدوج من نزعة عدائية للفئات المهدِّدة لـ«نقاء وتجانس» المجموعة الوطنية.
ورغم ثغرات ونقائص النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية بخلفياته الليبرالية المعروفة (فكرة المجموعة الدولية التي تحكمها قوانين الشراكة والتضامن)، فإن هذا النظام ساهم خلال ستين سنة الأخيرة في تسوية عدد مهم من الأزمات الدولية وفي ضبط التوازنات الاستراتيجية العالمية وحماية البلدان الصغيرة. ولا شك أن ثمن التخلي عنه سيكون العودة لعصر الإمبراطوريات القومية المتصارعة.
كان الرئيس الفرنسي الراحل «فرانسوا ميتران» يقول «إن النزعة القومية تعني الحرب»، والخشية كلها هي أن تعيد القوميات الجديدة منطق الحرب إلى العلاقات الدولية.
الاتحاد

