صحيفة الكترونية اردنية شاملة

قتلة برنامج «ميديكير»

0

كثيراً ما وعد دونالد ترامب أنصاره خلال الحملة الانتخابية بأن يكون نوعاً مختلفاً من «الجمهوريين»، يمثّل مصالح ناخبي الطبقة العاملة ممن يعتمدون على البرامج الحكومية الرئيسية. فتحت عنوان «لماذا لن يغيّر دونالد ترامب شيئاً في برامجك الاجتماعية الحكومية»، قال ترامب: «إنني لن أقلّص (الضمان الاجتماعي)، مثلما يريد أن يفعل كل (الجمهوريين) الآخرين، ولن أقلّص (ميديكير) أو (ميديك-إيد)».

وبالطبع كان ذلك كذبة. فالرجل المكلف بهذا الملف في فريق ترامب الانتقالي يُعد من أنصار الخصخصة، وكل المؤشرات تشير إلى أن الإدارة المقبلة تستعد لإلغاء «ميديكير»، واستبداله بقسائم يمكن استعمالها في شراء تأمين خاص. وبالتالي، فإنه من المهم كشف هذه الخدعة للجمهور. وهنا لا بد من الإشارة إلى ثلاث نقاط مهمة: أولاً، إن استهداف «ميديكير» سيمثّل نقضاً صارخاً لوعد من وعود الحملة الانتخابية في التاريخ الأميركي. بعض القراء يتذكرون محاولة جورج دبليو. بوش خصخصة «الضمان الاجتماعي»، التي زعم فيها أن لديه «تفويضاً» من الناخبين رغم أنه خاض حملة تركّز كلياً على مواضيع أخرى. وقد كان ذلك سيئاً، ولكن الأمر هذه المرة أسوأ – وليس فقط لأن ترامب خسر التصويت الشعبي بفارق مهم، ما يجعل أي حديث عن تفويض شعبي أمراً غريباً.

والواقع أن الموقف الذي أظهره المرشح ترامب خلال الحملة الانتخابية مختلف تماماً عن الموقف، الذي يبدو أن الرئيس المنتخَب ترامب يتبناه حالياً؛ فقد زعم أنه شعبوي اقتصادي يدافع عن الطبقة العاملة (البيضاء)، ولكن ها هو الآن ينوي القضاء على برنامج أساسي بالنسبة لهذه الطبقة.

وهو ما يقودني إلى النقطة الثانية: فلئن كان «ميديكير» برنامجاً مهماً بالنسبة لفئة كبيرة من الأميركيين، فإنه مهم بشكل خاص بالنسبة لناخبي الطبقة العاملة البيضاء الذين دعموا ترامب بقوة، وذلك يعزى جزئياً إلى حقيقة أن جل المستفيدين من «ميديكير» هم البيض، تحديداً لأنهم أكبر سناً، ويعكسون الواقع الديموغرافي لعهد سابق.

أما النقطة الثالثة، فهي أن الأشخاص مثل رئيس مجلس النواب «بول ريان» كثيراً ما يتمكنون من خداع وسائل الإعلام، ودفعها للاعتقاد بأن جهودهم الرامية إلى إلغاء «ميديكير» وبرامج أخرى إنما تحرّكها بواعث قلق اقتصادية مشروعة. ولكن الحقيقة خلاف ذلك، إذ ثبت منذ وقت طويل أن «ميديكير» أكثر فعالية وكفاءة من التأمين الصحي الخاص؛ لأنه لا ينفق مبالغ كبيرة على التسويق، ولأنه بالطبع ليس في حاجة لترك هامش للربح.

وما لا يعرفه الكثيرون هو أن التدابير الرامية إلى التوفير وتقليص الكلفة المتضمنة في «قانون الرعاية الرخيصة»، المعروف أيضاً باسم «أوباماكير»، كانت ناجحة إلى حد كبير في جهودها الرامية إلى كبح الزيادة في نفقات «ميديكير» على المدى الطويل. فمنذ 2010، لم ترتفع نفقات «مديكير» (لكل مستفيد) سوى بـ1٫4 في المئة سنوياً، وهو رقم أقل من معدل التضخم. وهذا النجاح هو السبب الرئيس للتحسن الدراماتيكي في توقعات الميزانية على المدى الطويل. وعليه، فلماذا هذه الرغبة في إلغاء برنامج ناجح، يبلي بلاء أفضل من أي وقت مضى؟ الجواب من وجهة نظر أشخاص مثل «ريان»، ربما، هو أن «ميديكير» مستهدَف تحديداً بسبب نجاحه: إذ سيكون من المفيد جداً بالنسبة لخصوم الحكومة التخلص من برنامج يُظهر بوضوح قوة الحكومة وقدرتها على تحسين الأحوال المعيشية للناس.

ثم هناك فائدة إضافية سيجنيها اليمين من خصخصة «ميديكير»: إذ إن ذلك سيخلق الكثير من الفرص للأرباح الخاصة التي سيتم تحقيقها عبر تحويل اتجاه الدولارات التي كان يمكن أن تُستعمل لتوفير الرعاية الصحية. وخلاصة القول، إن خصخصة «ميديكير» ستُمثل خيانة لوعد رئيس من وعود حملة ترامب، وستُمثل خيانة بشكل خاص لمصالح كتلة الناخبين التي اعتقدت أنها وجدت في فيه بطلاً ومنافحاً عن قضاياها، كما أنها ستمثل سياسة مجانبة للصواب.

*عالم اقتصاد أميركي حائز جائزة نوبل

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.