صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الحوار الاستراتيجي الأميركي

0

حسب «ريتشارد هاس»، تعيش الولايات المتحدة راهناً الجدل الاستراتيجي الثاني بعد مرور عقدين على نهاية الحرب الباردة وانهيار «الاتحاد السوفييتي» الشيوعي. الجدل الأول تمحور -حسب السياسي الأميركي البارز الذي عمل في إدارتي بوش الأب وبوش الابن- حول مقتضيات الحفاظ على السلم الدولي ومنع تجدد النزاعات والصراعات بعد نهاية الاستقطاب الأيديولوجي والاستراتيجي الذي مزّق العالم، بينما يتمحور الجدل الحالي حول منزلة الولايات المتحدة الريادية في الخارطة الدولية عبر السؤال: هل يتعين عليها الاحتفاظ بدور قيادة العالم أم الانكفاء عن مشاكله وتحدياته؟

الجدل الأول -حسب هاس- امتد من عهد بوش الأب إلى نهاية حقبة بوش الابن، وأفضى إلى ثلاث سياسات متمايزة: سيادة النزوع الواقعي والاكتفاء بالتدخل العسكري في حالات تعرض أمن الولايات المتحدة والعالم للخطر (حقبة بوش الأب)، والتردد بين النزعتين الواقعية الانكفائية والمثالية الأممية (مرحلة كلينتون)، والنزوع المثالي بالسعي لنشر القيم الأميركية في الخارج كجزء من مقتضيات الأمن القومي الأميركي (مرحلة بوش الابن).

ما يلاحظه «هاس» في مقالته التي نشرتها «وول ستريت جورنال» (5 أغسطس 2016) هو أن الآثار السلبية لسياسات بوش الابن، خصوصاً حروبه الشرق أوسطية، ولّدت نقمة عارمة في الشارع الأميركي الذي أصبح ميالاً إلى الانكفاء عن مشاكل العالم وعازفاً عن التدخل العسكري في النزاعات الخارجية، ولم يعد يؤمن بإمكانية نشر النموذج الليبرالي الأميركي بالقوة والإكراه.

وإذا كان «الربيع العربي» قد ولّد في بداياته الانطباع بصحة خيار بوش و«المحافظين الجدد» الأميركيين (نشر القيم الديمقراطية وكسر جدار الاستبداد في الشرق الأوسط)، فإن تطورات الوضع في بلدان «الربيع العربي» أثبتت زيف هذا الوهم الذي تملّك إدارة «أوباما». والحقيقة الماثلة للعيان حالياً هي أن التدخل الأميركي في أزمات العالم العربي الإسلامي لم تفضِ إلا إلى تأجيج الحروب الأهلية وتكريس مزيد من الاستبداد والقمع وتفاقم الاحتقان السياسي.

ومن هنا يمكن القول، حسب «هاس»، إن خط المثالية الأممية قد فشل كلياً ولم يعد له حضور يُذكر في الحزبين الأميركيين الرئيسين اللذين يهيمن عليهما الاتجاه الانعزالي في نسخه المتعددة.

وهكذا تولّد الجدل الثاني عن هذا المأزق الاستراتيجي، واتسم بالراديكالية، لكونه يضع موضع النقد تجربة الريادة الأميركية التي طبعت الوضع الدولي بكامله خلال عقود ثمانية شكلت فيها زعامة الولايات المتحدة ضمانة الاستقرار والسلم في العالم، وبانسحابها منه ستكون النتائج مدمرة على الكوكب الأرضي بكامله.

من هذا المنظور، يَعتبر «هاس» أن إحجام أوباما عن التدخل في أزمات الشرق الأوسط الراهنة (ليبيا واليمن وسوريا) وخروجه من العراق وأفغانستان، أدّيا إلى تأجيج الحروب الأهلية والفتن وموجة الإرهاب، بما يقوّض السلم والاستقرار في منطقة حيوية من العالم. إنه التحدي نفسه المطروح في آسيا، حيث ينعكس كل انسحاب أميركي على توازنات المنطقة ويؤدي إلى تصاعد مشهد الهيمنة الصينية عليها، بينما يتفاقم دور روسيا في مجالها الإقليمي ويتزايد طموحها للتحكم في أوروبا.

النتيجة التي يصل إليها «هاس» من تحليله هي أنه إذا كان من الصحيح أن النزوع المثالي لإعادة قولبة الوضع العالمي ونشر القيم السياسية والاقتصادية الأميركية قد فشل عملياً، فإن الدور الريادي للولايات المتحدة في الساحة الدولية ضروري لهدفين رئيسيين: ردع الخصوم والمنافسين والحد من بؤر التوتر الدولية من جهة، وكبح اتجاه الدول لاكتساب أسلحة الدمار الشامل لضمان أمنها من جهة أخرى. أما الانكفاء أو الانطواء على الداخل فتكلفته باهظة اقتصادياً واستراتيجياً على الولايات المتحدة والعالم كله.

مقال «ريتشارد هاس» الذي لخصناه هنا هو أحد أوجه الجدل الاستراتيجي الأميركي الذي خرج للعلن في الانتخابات الحالية، والتي هي دون شك أكثر الانتخابات سخونة وحدَّة في تاريخ الولايات المتحدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.