صحيفة الكترونية اردنية شاملة

«ماي» وتغيير السياسة البريطانية

0

البذاءة غير موجودة، وكذلك أضواء الشهرة. كما أنه ليس ثمة أي مرشحين يتحدثون عن أشرطة جنسية أو خيانة زوجية، وليس ثمة رسائل بريد إلكترونية مقرصنة. ولكن حتى في غياب الدراما التي لا يمكن أن توجد إلا في الانتخابات الأميركية، يمكن القول إن الأزمة متشابهة: ذلك أنه على طرفي الطيف السياسي، بات الحزبان البريطانيان الرئيسيان يعانيان فجأة من أزمة الهوية نفسها التي يعاني منها نظيراهما الأميركيان -وبالكلفة نفسها بالنسبة للديمقراطية البريطانية. فخلال معظم العقود الثلاثة الماضية، ومنذ أن دفعته مارجريت تاتشر إلى واجهة الساحة الدولية، عمل حزب «المحافظين» البريطاني على الترويج لنفسه باعتباره حزب الانفتاح على الخارج والدفاع عن التجارة العالمية في بلد يسعى لنفوذ وتأثير دولي يفوق حجمه الحقيقي. وهكذا، دفع الحزب بالخصخصة، وخفض الضرائب، وتقليص الإنفاق، وتقليص دور الدولة. والواقع أن بعضاً من تلك اللغة القديمة ما زال موجوداً حتى اليوم: ففي خطابها في المؤتمر السنوي لحزبها الأسبوع الماضي، قالت رئيسة الوزراء تيريزا ماي لزملائها إن «بريطانيا التي نقوم ببنائها اليوم بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي ستكون بريطانيا عالمية».

غير أنها سرعان ما ألمحت إلى أن بلدها سيقطع علاقاته مع الاتحاد الأوروبي على نحو قد ينتج عنه إقامة جدران جديدة (التعريفات الجمركية) وسيتطلب دون شك مفاوضات حول التجارة. ولاحقاً، رمت ببعض العظام للمعادين للأجانب في بلدها وأسمعتهم ما يسرّهم، حيث ألمحت إلى أنها ترغب في طرد عشرات الآلاف من الأطباء المولودين في الخارج الذين يسهمون فعلياً في بقاء «النظام الصحي البريطاني» مشتغلاً، وقالت لجمهور جديد، في ما يشبه تحديثاً لعبارة «المواطن العالمي الذي لا أصل له» المهينة: «إذا كنت تعتقد أنك شخص وطنه العالم، فإنك لست مواطناً لأي بلد».

وبعد ذلك، تحدّث أحد زملائها في الحكومة عن إرغام الشركات على نشر قوائم «العمال الأجانب» -وهو أمر سيشمل ربما الشركات والبنوك متعددة الجنسيات التي تتّخذ من لندن مقراً لها- هذا في حين وصف آخر مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون في بريطانيا باعتبارهم ورقة مهمة للمساومة في المفاوضات المقابلة، ناسياً على ما يبدو أن أوروبا يمكنها أن تعامل الـ1.2 مليون بريطاني الذين يعيشون في بلدان أخرى من أوروبا كورقة مساومة أيضاً، إنْ رغبت في ذلك.

وبعد أن احتلوا الموقع الذي كان يسيطر عليه حزب «الاستقلال» البريطاني سابقاً، المحسوب على اليمين المتطرف، انتقل «المحافظون» لاحتلال يسار الوسط أيضاً، حيث نُحيت فكرة «الدولة الصغيرة» (تقليص دور الدولة وحجمها) جانباً وعُوضت بقول رئيسة الوزراء «إن الدولة موجودة من أجل توفير ما لا يستطيع الناسُ والمناطق والأسواق توفيره». ولئن كان هذا هو ما يعتقده معظم البريطانيين ربما، فإنه ليس هو ما كان يعتقده حزبُ «المحافظين» قبل هذا الأسبوع، حيث قدّمت «ماي» نسخة ألطف من الشعبوية القومية التي يَعد بها اليمين المتطرف في بلدان أخرى من أوروبا، معلنةً أن المحافظين سيصبح حزبَ «النظام الصحي البريطاني» وحزب الموظفين. كما تخلت أيضاً عن الحرص القديم على توازن المالية العامة حتى إشعار آخر، إذْ تعتزم الاقتراض إلى أكبر حد ممكن ما دامت ثمة حاجة إلى ذلك.

غير أن كل مَن هو غير راضٍ عن أي جزء من هذه الرسالة -أي شخص لا تعجبه معاداة الأجانب المبطّنة، أو أي شخص ما زال متعلقاً بالقيم التاتشرية بخصوص «الدولة الصغيرة»، أو أي شخص قلق بشأن الاقتراض الحكومي- هو شخص غير محظوظ، ذلك أن حزب العمال المعارض، الذي تحوّل في عهد توني بلير إلى حزب وسطي فاز في ثلاثة انتخابات على التوالي، أصبح يسيطر عليه اليوم تيارٌ هامشي متطرف بات خارج الوسط يبدو أن زعماءه لم يعودوا مهتمين بالسياسة البرلمانية البتة. ذلك أن الحزب وزعيمه جيريمي كوربن، المبتليين بالاقتتال الداخلي والموصومين باتهامات بمعاداة السامية، مهتمان بقتال الديمقراطية أكثر من اهتمامها بقتال السلطوية، وباتباع الخطوط المتطرفة أكثر منها بالفوز في الانتخابات.

ولعل المثير للسخرية أن الاستفتاء الأوروبي -وهو تصويت كان الهدف منه جعل البرلمان البريطاني ذا سيادة من جديد، على حد تعبير مَن دعوا إليه- جعل وجود المشرّعين البريطانيين غير ذي أهمية تقريباً، حيث قالت ماي إنها لن تسمح بتصويت برلماني حول توقيت وطبيعة الخروج البريطاني الفعلي من الاتحاد الأوروبي. كما أنها لا تعتزم السماح لحكومتي اسكتلندا وأيرلندا الشمالية، التي عارض فيهما الناخبون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، بأن تكون لهم أي كلمة في العملية. وعليه، فيمكن القول إن النقاشات السياسية المهمة الوحيدة في بريطانيا، من الآن فصاعداً، ستكون تلك التي تتم داخل الحزب الحاكم. وإذا بدا ذاك الحزبُ الحاكم فجأة مختلفاً عما عهده البريطانيون، فذاك أمر مؤسف!

آن آبلباوم

محللة سياسية أميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الاتحاد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.