القدوم من عصر سابق
هل أرادنا سرفانتس حًقا أن نضحك من بطله الحالم «دون كيخوته»؟ جميع الذين اعتقدوا ذلك لم يقرأواالفصل الأخير من حياة دون كيخوته. لقد استدرجنا سرفانتس ولعب على سذاجتنا من أجل أن يضحك هومنا؛ إذ يرانا نذرف الدمع مرغمين على رجل كنا نعتقد أنه الحلم المضحك، فإذا هو الحقيقة المبكية.
الخطأ لم يكن في مخيلات فارس الطواحين، وإنما في فظاعة الواقع. كل شيء كان مثالًيا وتاًما عندما قرردون كيخوته البدء في مهمته الفروسية، ولكن فاته تفصيل أساسي، وهو أن الزمن قد تغير، والفروسياتأصبحت مثيرة للسخرية بعدما كانت مثيرة للإعجاب والتقدير.
اكتشف سرفانتس أن في كل منا شيًئا من دون كيخوته، على الأقل في مرحلة ما من مراحل حياتنا. ومن ثمتتحول الحياة إلى مجموعة خيبات بالناس والحياة. ولذلك، فإن الذين نجحوا في الحياة هم الذين لم يتوقفواعند كلام المبشرين باليأس والساخرين من كل ما هو جد وجهد. محظوظ من لم يمر في حياته هذا النوع من
البشر: السخرية من كل شيء، انتقاد كل سعي، تسخيف كل طموح، والتقليل من أهمية كل قيمة.
تلك هي الفئة الطاغية التي خرج دون كيخوته إلى محاربتها، مدرًكا أنه لن يهزمها، ولكنه لن ينضم إليها، ولنيقبل منحاها في الحياة. بمعنى آخر، ينتصر دون كيخوته، لكنه لا يفوز. اقتصر على نفسه عندما وضعها فيخدمة «الفروسية» بعكس الزمن الدنيء. وما اتخذ قراره إلا بعدما دفع كل ثروته ثمن الكتب التي تتحدث عنالفروسية، وأهمل أملاكه، وأصبح على شفير الإفلاس: «لقد تعلق حقيقة بكل ذلك حتى أنه باع الكثير منحقول الذرة كي يشتري تلك الكتب عن الفروسية. وفي النهاية، دفن نفسه بين هذه الكتب من المساء إلىالفجر، ومن الفجر إلى المساء، وبسبب قلة النوم وكثرة القراءة، جف عقله وفقد لمحاته».
كانت فرق مسرحية جوالة تدور على القرى في الماضي لتقدم عروضها. وكان المشاهدون البسطاء يكرهونالذي يقوم بدور الشرير، إلى درجة أن توضع له حماية خاصة. وكذلك، كانوا يهفون إلى تهنئة الرجل الذي يلعبدور الفارس.
ولقد قسا سرفانتس على فارسه أشد القسوة، أي إنه قسا على نفسه، ففي كل بطل شيء من كاتبه، مهما حاولالابتعاد.
الشرق الأوسط

